الكنيسة في عهد دقلديانوس وخلفائه ... من كتاب اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها للمؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبونْ

 الكنيسة في عهد دقلديانوس وخلفائه


ظل المسيحيون ينعمون بالسلام والرخاء وسط الثورات المتكررة التي اجتاحت الإمبراطورية. ورغم الحقبة المشهودة التي يطلق عليها عصر الشهداء، نشأ بارتقاء دقلديانوس إلى العرش، أسلوب جديد من السياسة، ابتدعته وتعهدته حكمة هذا الأمير، واستمر هذا الأسلوب طوال ثمانية عشر عاما ينفخ من روح التسامح الديني أكثرها اعتدالا وتحررا. والحق إن عقلية دقلديانوس نفسه كانت أقل استعدادا للأبحاث النظرية منها للأعمال الجادة فى مجال الحرب والحكم. وقد نفره حذره ورويته من الاندفاع في الابتداع والابتكار، ورغم أن مزاجه لم يكن سريع التأثر بالغيرة والحماس، إلا أنه درج على إظهار الاحترام للمعبودات القديمة في الإمبراطورية. ولكن فراغ

……


الامبراطورتين : بريسكا Prisca زوجته وفاليريا Valeira كريمته، هيأ لهما سبيل الإصغاء، في مزيد من الإهتمام والاحترام، إلى حقائق المسيحية التي اعترفت، في كل العصور، بأنها مدينة أكبر الدين لتبتل المرأة وولائها. وبسط الخصيان الرئيسيون : لوشيان ودوروثيوس، وجور جونيوس وأندرو، الذين لازموا شخص دقلديانوس، وحظوا بحبه وعطفه، وكانوا أصحاب الأمر والنهي في قصره - نقول بسط هؤلاء الخصيان، بنفوذهم القوي، حمايتهم على العقيدة الجديدة التي كانوا قد اعتنقوها. وحذا حذوهم كثير من أهم الموظفين في القصر الذين وكل إليهم، كل - حسب وظيفته - أمر العناية بحلي الإمبراطور، وبالملابس وبالأثاث وبالمجوهرات، بل حتى بالخزانة الخاصة. وعلى الرغم من التزامهم أحيانا بمصاحبة الإمبراطور في تقديم الضحايا والقرابين في المعبد، هؤلاء الموظفين وزوجاتهم وأولادهم وعبيدهم، نعموا بالحرية في ممارسة الديانة المسيحية. وكثيرا ما خص دقلديانوس وزملاؤه، بأهم المناصب، أولئك الأشخاص الذين أعلنوا بغضهم لعبادة الآلهة، ممن تكشفت فيهم القدرات والمواهب اللازمة لخدمة الدولة : وكانت لكل من الأساقفة منزلة كبيرة في ولايته. وكانوا يلقون معاملة ملؤها التقدير والإجلال، لا من الشعب وحده، بل من الحكام أنفسهم، وتبين في كل مدينة تقريبا أن الكنائس القديمة لا تتسع للعدد المتزايد من الداخلين في الدين، فشيد مكانها أبنية أفخم وأرحب تصلح لاقامة الصلوات العامة للمؤمنين. وقد يعتبر سوء السلوك وفساد المبادىء اللذين نعى عليهما يوسوبوس

(أحد مؤرخي الكنيسة ٢٦٠ ٣٤٠ م ) لا مجرد  نتيجة، بل برهانا على الحرية التي تمتع بها المسيحيون وأساءوا استغلالها في عصر دقلديانوس. وكأني بالرفاهية قد أرخت من قبضة النظام، وتفشى الغش والحقد والضغينة في كل المحافل المسيحية. وتطلع المشايخ إلى منصب الأسقفية الذي بات يوما بعد يوم هدفا أجدر بالطمع فيه. أما الأساقفة الذين كانوا يزاحمون بعضهم بعضا على التفوق في مجال الكنيسة، فقد بدا من تصرفاتهم أنهم يزعمون لأنفسهم سلطة دنيوية استبدادية في الكنيسة. وتجلى الإيمان المتفتح الذي ظل يميز المسيحيين عن الكفار، أقل كثيرا في حياتهم منه في كتاباتهم الجدلية.


وربما تبين للمراقب اليقظ، على الرغم من هذه الطمانينة الظاهرة، بعض أعراض أنذرت الكنيسة بأضطهاد أعنف من أي اضطهاد عانته من قبل، ذلك أن غيرة المسيحيين وسرعة تقدمهم

٣٢٠

…….

أيقظتا المشركين من سباتهم واستهتارهم بقضية تلك المعبودات التي علمهم العرف والتلقين ضرورة إجلالها واحترامها. وأثارت الاستفزازات المتبادلة في حرب دينية دامت لأكثر من مائتي عام - أثارت ثائرة الفريقين المتنازعين، وغاظ الوثنيين تهور تلك الشيعة الحديثة الحقيرة التي اجترات على رمي مواطنيهم بالبعد عن جادة الصواب، وإلقاء أبنائهم وأجدادهم في وهدة الشقاء المقيم. وولد دأبهم على الدفاع عن الأساطير الشعبية المألوفة ضد تجريح عدو عنيد، ولد في أذهانهم مشاعر من الإيمان والإجلال لأسلوب كانوا قد تعودوا أن ينظروا إليه بأكبر قدر من الاستهتار والاستهانة. وقد أوحت تلك القوى الخارقة التي انتحلتها الكنيسة، بالرهبة والمنافسة في نفس الوقت. واعتصم أتباع الديانة القديمة (الوثنية) بسياج مماثل من الكرامات والمعجزات، وابتدعوا أشكالا جديدة للقرابين والضحايا والكفارة، وللدخول في الدين (۱)، وحاولوا أن يحيوا التصديق والثقة بالوحي المنقرض، واستمعوا فى سذاجة متلهفة إلى أي دجال يتملق تحيزهم بإحدى القصص الملأى بالعجائب، وبدا أن كلا الفريقين اعترف بصدق المعجزات التي ادعاها غريمه. وبينما قنعوا جميعا بنسبتها إلى أفانين السحر وقوة الجن، نجد الفريقين كليهما قد استعادا للخرافة سلطانها وثبتا دعائمها (۲). وتحولت الآن الفلسفة وهي ألد أعدائها، إلى حليفها النافع، إلى أبعد حدود النفع، وكادت أن تهجر جمائل الأكاديمية وحدائق أبيقور، بل حتى قاعات الرواقيين، لأن كثيرا من مختلف مدارس الشك أو الإلحاد وكثيرا من الرومان، رغبوا في وجوب إدانة كتابات شيشرون وأبطالها بمقتضى ما للسناتو من سلطة، ورأت طائفة الأفلاطونيين الحديثين أنه من الفطنة أن يقفوا إلى جانب الكهنة الذين ربما احتقرهم هؤلاء الأفلاطونيون الجدد، ضد المسيحيين الذين كان ثمة ما يبرر توجس الخيفة منهم. واتخذ هؤلاء الأفلاطونيون أسلوب استخراج الحكمة المجازية من قصص


(۱) وقد تقتبس من بين العدد الكبير من الأمثلة، العبادة الخفية المترا (عبادة الشمس في الفرس قديما) وتوروبوليا Taurobolia (عبادة وثنية نشأت أولا في آسيا الصغرى)، وكانت هذه العبادة هي عبادة العصر في عهد الأنطونينيين قصة أبوليوس Apuleius لتزخر بالنسك والهجاء بقدر سواء.


(۲) انه لمما يؤسف له أشد الأسف أن الآباء المسيحيين، باعترافهم بالجانب الخارق للطبيعة - أو كما قدروه هم أنفسهم - الجانب الخبيت في الوثنية، انما يقضون بأيديهم على الفائدة التي ربما حصلنا عليها - لو لم يفعلوا ذلك - من اذعان خصومنا الذي يتسم بالتحرر

……


للشعراء اليونانيين، وفرضوا للعبادة شعائر خفية يقوم بها تلاميذهم المختارون، وأوصوا بعبادة الأرباب القدامى بوصفها رموزا أو خداما للإله الأعظم، وألفوا لدحض عقيدة الإنجيل كثيرا من الرسائل المتقنة التي جعلتها فطنة الأباطرة طعما للنار منذ ذلك الوقت.


وعلى الرغم من أن سياسة دقلديانوس وقسطنطينوس اتجهت  إلى الاستمساك باحترام مبادىء التسامح، فإنه سرعان ما تبين أن شريكيهما مكسيميان وجالريوس أضمرا لاسم المسيحيين وديانتهم ألد عداوة لا تلين. إن نور العلم لم يجد سبيلا إلى عقل هذين الأميرين، ولم يصقل التعليم طباعهما قط، وهما مدينان بعظمتهما للسيف، وتمسكا، وهما في أوج مجدهما، بآراء الجنود والفلاحين المبنية على الخرافة، ونفذا في إدارة الولايات تلك القوانين التي كان ولي نعمتهما قد شرعها، ولكن كثيرا ما وجدا الفرصة سانحة في معسكرهما وفي قصورهما لممارسة الاضطهاد الخفي الذي أضفت عليه غيرة المسيحيين الطائشة أحيانا أشد المزاعم تلفيقا وتمويها. فمثلا نفذ حكم الإعدام في شاب أفريقى يدعى مكسيمليانوس، قدمه أبوه للحاكم على أنه في سن التجنيد وأنه لائق له، ولكن الشاب أصر في عناد على القول بأن ضميره لا يطاوعه على الانخراط في سلك الجندية. كما لا يكاد يكون من المتوقع أن تحتمل أية حكومة تصرف ضابط المائة مارسلوس Marcellus دون حساب أو عقاب، ذلك أنه يوم عيد عام، ألقي هذا الضابط بحزامه وسلاحه وشعارات وظيفته، وصاح بصوت عال، أنه لن يطيع إلا يسوع الملك الأبدي، وأنه سينبذ الأسلحة الدنيوية إلى الأبد، كما يطرح خدمة سيد وثني. وسرعان ما أفاق الجنود من دهشتهم وقبضوا على مارسلس. وحقق معه في مدينة تنجی Tingi بمعرفة رئيس هذا القسم من موريتانيا. وأدين بناء على اعترافه، وحكم عليه، وضرب عنقه بتهمة الهرب من الخدمة العسكرية. أن رائحة الاضطهاد الديني لتفوح من مثل هذه الحالات أقل مما تفوح منها رائحة القانون العسكرى. بل حتى القانون المدني، ولكنها أفلحت في تحويل عقل الامبراطورين، وفي تبرير قسوة جالريوس الذي طرد عددا كبيرا من الموظفين المسيحيين من وظائفهم، وفي تعزيز الرأى القائل بأن مثل هذه الطائفة من المتحمسين الذين أعلنوا من المبادىء ما يضر بسلامة الدولة، يجدر أن يبقوا عاطلين لا يرجى منهم نفع، وإلا باتوا خطرا على الإمبراطورية 


٢٢٦






وبعد أن رفع الانتصار في الحرب ضد فارس من آمال جالريوس وزاد من شهرته، قضى الشتاء مع دقلديانوس في قصر نيقوميديا : وكان تقرير مصير المسيحيين هدف مداولاتهم السرية. وكان الإمبراطور المحنك لا يزال ميالا إلى الأخذ باللين والرفق. ورغم موافقته في الحال على استبعاد المسيحيين من وظائف القصر أو الجيش، نراه يحذر من الخطر الذي ينجم عن سفك دماء هؤلاء المتعصبين المغرر بهم، ومن بشاعة هذا العمل، انتزع منه جالريوس آخر الأمر ترخيصا بدعوة مجلس من نفر قليل من أبرز الموظفين والعسكريين في الدولة، وأثيرت هذه المسألة الهامة بحضورهم، وسهل على رجال البلاط الطامحين أن يدركوا أن من واجبهم أن يظاهروا، بكل ما أوتوا من فصاحة وإلحاح القيصر على استعمال العنف. ويمكن القول بأنهم أصروا على كل ما من شأنه أن يرضي غرور مليكهم أو تقواه أو مخاوفه، فيما يتعلق بتدمير المسيحية. ولعلهم صوروا العمل المجيد، ألا وهو إنقاذ الإمبراطورية، بأنه سوف يظل ناقصا مشوبا، طالما سمح لشعب مستقل بالبقاء والتكاثر في قلب الولايات، وربما ذهبوا الى القول (وهو ادعاء خداع) بأن المسيحيين الذين نبذوا عبادة روما ونظمها، قد أسسوا جمهورية متميزة مستقلة، من الميسور بعد القضاء عليها قبل أن تكون لها قوة عسكرية، جمهورية تحكمها قوانينها الخاصة، ويتولى زمام الأمر فيها حكام منها، ولها أموالها العامة، وتربط بين مختلف أجزائها بروابط وثيقة تلك الإجتماعات المتكررة التي يعقدها الأساقفة الذين انصاع لقراراتهم رعاياهم الكثيرون الموسرين انصياعا تاما صريحا. ويبدو أن مثل هذه الحجج قطعت على دقلديانوس سبيل الإحجام وحملته على اتخاذ أسلوب جديد في الاضطهاد، وقد يساورنا الشك، ولو أنه ليس في مقدورنا أن نسهب القول، في دسائس القصر الخفية، وفي الآراء والضغائن الخاصة، وحقد النساء أو الخصيان، إلى غير ذلك من الأسباب التافهة، ولكنها الحاسمة التي تعمل عملها في مصير الامبراطوريات ومجالس أرجح الحكام عقلا.

وتجلت آخر الأمر دلالة ابتهاج الامبراطورين لأعين المسيحيين الذين كانوا يرقبون في قلق زائد، طوال هذا الشتاء الكتيب، نتيجة المشاورات السرية الكثيرة وحدد  (عفوا أو قصدا) اليوم الثالث والعشرون من فبراير، الذي وافق يوم العيد الروماني ترميناليا لوضع القيود على تقدم المسيحية، ذلك أنه في الساعات الأولى من فجر ذلك اليوم، قصد رئيس الحرس البريتوري وبرفقته عدد من القواد والتربيون ومأمورى الدخل، إلى الكنيسة Terminalia

۳۲۷

…………

الرئيسية فى نيقوميديا، الواقعة على مرتفع من الأرض في أجمل بقاع المدينة وأكثرها ازدحاما بالسكان، وفى الحال فتحوا الأبواب عنوة واندفعوا إلى المحراب، ولما فتشوا عبثا عن أى جسم مادي لعبادة، اضطروا إلى الإكتفاء بإحراق مجلدات الكتاب المقدس، وكان وراء موظفي دقلديانوس حشد كبير من أفراد الحرس والطلائع ساروا في تشكيل معركة مزودين بكل الآلات اللازمة لتدمير المدن المحصنة وواصلوا العمل، حتى استطاعوا في بضع ساعات قلائل أن يهدموا هذا البناء السامق المقدس الذي شمخ فوق القصر الإمبراطوري والذي طالما أثار حنق الأمميين وحقدهم.

ونشر في اليوم التالي مرسوم الاضطهاد العام، وعلى الرغم من أن دقلديانوس ظل معارضا لسفك الدماء. وخفف من حدة جالريوس الذي اقترح أن يحرق حيا على الفور كل من يرفض تقديم القرابين والضحايا، فإن العقوبات التي كانت تنزل بالمسيحيين المعاندين قد كانت تعتبر  قاسية وفعالة إلى حد كاف ونص المرسوم على أن كنائسهم في كل الولايات يجب أن تهدم من أساسها، وعلى الحكم بالإعدام على كل شخص يجرؤ على عقد أية اجتماعات بقصد العبادة الدينية، أما الفلاسفة الذين انتحلوا لأنفسهم المهمة العقيمة، مهمة توجيه التحمس الأعمى للاضطهاد، فإنهم درسوا دراسة يقظة طبيعة الديانة المسيحية وقدرتها، ولما كانوا لا يجهلون أن المبادىء النظرية مفروض وجودها في كتابات الرسل والحواريين والإنجيليين، فالأرجح أن هؤلاء الفلاسفة اقترحوا إصدار أمر يحتم على الأساقفة والمشايخ أن يسلموا كل كتبهم المقدسة إلى الحكام الذين أمروا تحت طائلة أشد العقاب - بإحراقها بطريقة علنية مهيبة. وبمقتضى نفس المرسوم صودرت في الحال أملاك الكنيسة وبيعت أجزاؤها لمن يدفع أكبر ثمن، أو ضمت إلى أملاك الإمبراطور، أو وهبت للمدن والهيئات أو منحت لرجال الحاشية الجشعين بناء على توسلاتهم. وبعد هذه الخطوات الفعالة للقضاء على ديانة المسيحيين وحل حكومتهم، رئى من الضروري أن يخضع لأشد العذاب الذي لا يطاق أولئك المتمردون الذين ظلوا يرفضون ديانة الطبيعة، وديانة روما، وديانة آبائهم. 

واعتبر الأشخاص الأحرار ذوو المنبت الكريم محرومين من الحصول على أية أمجاد أو وظائف، وحرم العبيد الى الأبد من أي أمل في الحرية، وحرم الشعب المسيحي بأجمعه من حماية القانون ورخص للقضاة في الاستماع والحكم في أية قضية ضد أى مسيحي ، ولكن لم يكن مرخصا للمسيحيين في حق الشكوى من أي ضرر أو أذى


۳۲۸

………

يصيبهم هم أنفسهم، ومن ثم تعرضت هذه الطائفة المنكودة لصرامة العدالة العامة، على حين حرموا من التمتع بمزاياها، وربما كان مثل هذا الأسلوب من الاستشهاد الأليم البطيء الغامض الكريه، خير الأساليب لإرهاق عزيمة المؤمن والفت في عضده، وليس من شك في إتجاه البشر، في مثل هذه الظروف، بعواطفهم وبحكم مصلحتهم، إلى مسايرة رغبات الأباطرة، ولكن لابد أن سياسة حكومة دقيقة التنظيم قد تدخلت أحيانا لمصلحة المسيحيين المظلومين، كما أنه لم يكن من الممكن أن يمحو الأمراء الرومان الخوف من العقاب محوا تاما، أو يتستروا على أى عمل من أعمال التدليس أو العنف دون تعريض سلطتهم، وتعريض سائر رعاياهم (غير المسيحيين) لأفدح الأخطار

ولم يكد هذا المرسوم ينشر علنا في أبرز مكان في نيقوميديا قبل أن تمزقه أربا يدا مسيحي عبر، في نفس الوقت، بأقذع السباب عن احتقاره ومقته لهؤلاء الحكام الملحدين الطغاة. ورقى جرمه، بمقتضى أخف القوانين إلى درجة الخيانة، واستحق الاعدام. واذا صح أنه كان رجلا متعلما ذا مرتبة عالية، فإن هذه الظروف لم تثمر شيئا سوى مضاعفة جرمه. وقد أحرق أو على الأصح شوى في نار هادئة. واستنفد جلادوه - في تحمسهم للثأر لهذه الصفعة المهيئة التي أصابت أشخاص الأباطرة - استنفدوا كل أفانين القسوة والعنف، دون أن ينالوا من جلده وصبره أو يغيروا من الإبتسامة الساخرة الثابتة التي ارتسمت على وجهه، حتى وهو يعاني سكرات الموت. واعترف المسيحيون بأن سلوكه لم يتفق تمام الإتفاق مع قواعد الحذر والروية، إلا أنهم رغم ذلك اعجبوا بتوقد غيرته المقدسة، كما أن افراطهم في تمجيد ذكرى بطلهم وشهيدهم ساعد على خلق إحساس عميق بالرعب والكراهية في نفس دقلديانوس







وأهاج مكامن الخوف عنده نذیر سوء كاد يودي به، ولكنه نجا منه بأعجوبة، ففى مدى خمسة عشر يوما أشعلت النيران مرتين في قصر نيقوميديا وفي مخدع دقلديانوس نفسه، وأطفىء الحريق في المرتين دون خسائر مادية، ولكن مجرد تكرار الحريق اعتبر بحق دليلا قاطعا على أنه لم يأت بمحض الصدفة أو نتيجة إهمال. وطبيعي أن تحوم الشبهات حول المسيحيين، وذهبت الظنون، مع شيء من الترجيحإلى أن هؤلاء المتعصبين المستميتين الذين استفزتهم آلامهم الراهنة، وتوقعوا المزيد من كوارث تحدق بهم، قد دبروا مع إخوانهم المؤمنين


٣٢٦




الشطط من خصيان القصر مؤامرة ضد حياة الامبراطورين اللذين يمقتونهما كل المقت بوصفهما عدوين لدودين لكنيسة الله. وملأ الحقد والحنق كل الصدور وخاصة دقلديانوس. وزج في السجون بعدد كبير من ذوى المناصب أو الحظوة. وبلغ الإمعان في التعذيب بمختلف الوسائل حد وتلوث القصر والمدينة على السواء بدماء أولئك الذين نفذ فيهم حكم الإعدام. ولما كان من المتعذر استجلاء غوامض هذه الفعلة الخفية، فيبدو أنه  لزام علينا اما أن نفترض براءة هؤلاء المعذبين أو نبدى الإعجاب بقوة عزيمتهم. وأسرع جالريوس بعد ذلك بأيام قلائل بمغادرة نيقوميديا، معلنا أنه لو أبطأ في الرحيل عن هذا القصر المتعبد لوقع حتما فريسة لغضب المسيحيين. أما مؤرخو الكنيسة الذين نستقي منهم شذرات من معلومات متحيزة مبتورة، فإنهم في حيرة من أمرهم، كيف يطلون مخاوف الامبراطورين ويعللون الخطر المحدق بهما. وكان اثنان منهم أحدهما أمير والثاني من أئمة البلاغة شاهدى عيان لحريق نيقوميديا، وينسب أحدهما هذا الحريق إلى صاعقة من غضب السماء، بينما يؤكد الثاني أنه من تدبير جالريوس وكيده

ولما كان المرسوم الصادر ضد المسيحيين قد وضع على أساس أن يكون قانونا عاما يطبق في جميع أنحاء الإمبراطورية، ولما كان دقلديانوس وجالريوس قد تأكد لهما اتفاق أميرى الغرب معهما في الرأى، ولو لم يكن لزاما عليهما أن يتريثا حتى تتم الموافقة، فإنه يبدو أكثر تمشيا مع آرائنا في السياسة أن حكام جميع الولايات قد تلقوا تعليمات سرية لينشروا - كل في نطاقه - في يوم واحد إعلان الحرب، وكان من المتوقع على الأقل أن الطرق العامة الميسرة ونقط الرقابة المقامة عليها سوف تمكن الأباطرة من نقل أوامرهم بأقصى سرعة من قصر نيقوميديا الى أقصى أطراف العالم الروماني، وألا يتحملوا مضى خمسين يوما قبل أن ينشر المرسوم في سوريا، وقرابة أربعة شهور قبل أن يعلن في مدن أفريقية، وربما رجع هذا الإبطاء إلى طبع دقلديانوس الحريص المحاذر، الذي وافق كارها على إجراءات الاضطهاد، والذى رغب كل الرغبة في محاولة هذه التجربة أقرب ما يكون إلى بصره وسمعه، قبل أن يفسح المجال للاضطراب والسخط اللذين لابد أن تحدثهما هذه التجربة في الولايات النائية والحق أن الحكام منعوا أول الأمر من سفك الدماء، ولكن رخص لهم فيما عدا ذلك من ألوان القسوة، بل استحثوا عليها. على أن المسيحيين من جهة أخرى، رغم أنهم تخلوا فى رضا عن زخارف كنائسهم


٢٣٠





لم يكن في وسعهم أن يقرروا إبطال اجتماعاتهم الدينية أو تسليم كتبهم المقدسة الى النيران. ويبدو أن ورع فيلكس Felix العنيد، وهو أسقف أفريقي، قد أزعج صغار موظفي الحكومة، فأرسله أمين مدينته مكبلا بالأصفاد إلى البروقنصل، فحمله هذا بدوره إلى  رئيس الحرس البريتوري في إيطاليا، وأخيراً أطاحوا برأس فيلكس الذي احتقر حتى أن يجيب إجابة مراوغة فى فينوسيا في لوكانيا، وهو مكان اكتسب شهرة بولادة هوراس فيه. ويبدو أن هذه السابقة بالاضافة إلى مرسوم إمبراطوري يحتمل أن يكون قد صدر نتيجة لها خولت حكام الولايات حق إنزال عقوبة الإعدام بالمسيحيين الذين يمتنعون عن تسليم كتبهم المقدسة، وليس من شك في أن كثيرا من الناس انتهزوا هذه الفرصة ليفوزوا بشرف الاستشهاد، ولكن كان هناك بالمثل كثيرون ممن اشتروا حياة بغيضة بالكشف عن مخابيء الكتب المقدسة وتسليمها غدرا إلى الكفار. ووصم عدد كبير، حتى من الأساقفة والمشايخ، من جراء هذا التواطؤ الإجرامي، بوصمة هذا النعت الشائن  (الخونة)  وكانت هذه الخطيئة سببا في كثير من فضائح العصر، وفى كثير من الاضطراب والخلل في الكنيسة الأفريقية فيما بعد .

وكانت نسخ الكتاب المقدس وترجماته قد تكاثر عددها في الإمبراطورية إلى درجة لم تعد تسفر معها أقسى التحريات عن نتائج حاسمة، بل إن التضحية بتلك المجلدات التي كانت محفوظة في كل المجامع للاستعمال العام، كانت تقتضى رضاء بعض المسيحيين الخونة الأدنياء. ولكن عملية تدمير الكنائس كان من السهل تنفيذها بسلطة الحكومة وجهود الوثنيين. ومهما يكن من شيء، فقد اكتفى الحكام في بعض الولايات بإغلاق أماكن العبادة. وكان آخرون أشد تمسكا بحرفية نصوص المرسوم، فنزعوا الأبواب والمقاعد والمنبر، وأحرقوها، وكأنها كومة جنائزية، ثم هدموا بقية المبنى عن آخره. وربما كان لزاما علينا، من أجل هذه المناسبة الأسيفة، أن نلجأ إلى  تلك القصة المشهورة التي تروى فى كثير من وجوه التباين والاستحالة، إلى درجة أنها قد تثير فضولنا أكثر مما تشبعه، ففى بلدة صغيرة في فريجيا (إقليم قديم فى أواسط آسيا الصغرى)  لم تنبأ باسمها أو موقعها، والظاهر أن حكامها وجمهور شعبها كانوا قد اعتنقوا المسيحية - كان من المتوقع أن تحدث بعض المقاومة لتنفيذ المرسوم، ومن ثم زود حاكم الولاية بفصيلة من جنود الجيش، ولدى اقترابهم من المدينة هرع المواطنون إلى الكنيسة موطدين العزم على الدفاع بأسلحتهم عن هذا


۳۳۱



المكان المقدس أو الهلاك تحت أطلاله، وأبوا في إجتتسبار أن يلقوا بالا إلى الإعلان والإذن اللذين أعطيا لهم بالانسحاب، حتى استفز إباؤهم العنيد. الجنود فأشعلوا النار في كل جوانب المكان، وأبادوا بهذا اللون الغريب من الإستشهاد عددا كبيرا من أهالي فريجيسا وزوجاتهم وأطفالهم .


وحدثت في سوريا وعلى حدود أرمينيا قلاقل بسيطة لم تلبث أن ثارت حتى أخمدت، ولكنها رغم ذلك هيأت لأعداء الكنيسة مناسبة خداعة للايعاز بأن هذه المتاعب انما أثارتها سرا دسائس الأساقفة الذين نسوا في الواقع تفاخرهم بالاعتراف بالطاعة المطلقة بغير حدود، وتجاوز حنق دقلديانوس ومخاوفه، آخر الأمر، حدود الاعتدال الذي تذرع به حتى الآن. فأعلن في سلسلة من المراسيم الصارمة عن عزمه على محو اسم المسيحية، وقضى أول هذه المراسيم على حكام الولايات باعتقال كل رجال الكنيسة، وسرعان ما امتلأت السجون المخصصة لكبار المجرمين بجموع الأساقفة والمشايخ والشمامسة والقراء. بل حتى وطاردي الأرواح الشريرة. وأمر الحكام بمقتضى المرسوم الثاني باللجوء إلى كل وسائل العنف التي يمكن أن تبعد أولئك عن خرافتهم الخبيثة، وتضطرهم إلى الرجوع إلى عبادة الآلهة القائمة. وامتد هذا الأمر الرهيب، بناء على مرسوم تال، إلى جماعة المسيحيين كافة، ومن ثم تعرضوا لاضطهاد عنيف شامل. وأصبح من واجب الموظفين الامبراطوريين، بل ومن مصلحتهم كذلك بدلا من تلك القيود السليمة التي كانت تتطلب من المدعي إقامة بينة صريحة جدية، أن يكتشفوا ويتعقبوا ويعذبوا أبغض الأشخاص من بين المؤمنين. وفرضت العقوبة الصارمة على كل من يجرؤ على إنقاذ أى مشايع للمسيحية حرم من حماية القانون، من الغضب العادل للآلهة أو الأباطرة، وعلى الرغم من صرامة هذا القانون، فإن الشجاعة الخيرة التي تجلت في إخفاء كثير من الوثنيين لأصدقائهم وأقربائهم، لتقدم أنبل برهان على أن بطش الخرافة لم يخمد في نفوسهم عواطف الطبيعة والإنسانية.


وما كاد دقلديانوس يصدر مراسيمه ضد المسيحيين، حتى جرد نفسه من صولجان الملك، وكأنه بذلك أراد أن يلقي بمهمة الاضطهاد الى أيد غير يديه. بيد أن أخلاق زملائه وخلفائه ومواقفهم دفعتهم تارة إلى إعمال هذه القوانين الجائرة ونزعت تارة أخرى الى وقف العمل بها. ونحن لا نستطيع الحصول على فكرة صادقة واضحة عن هذه الحقبة الخطيرة من تاريخ الكنيسة، إلا إذا درسنا أحوال


٣٢٢



المسيحية في مختلف أجزاء الامبراطورية، كل على حدة، طوال الأعوام العشرة التي انقضت بين أول مراسيم دقلديانوس وبين السلام النهائي في الكنيسة، ولم يرتض طبع قسطنطيوس الرقيق الوديع ظلم أي فريق من رعاياه، فتولى المسيحيون الوظائف الرئيسية في قصره، وأحب أشخاصهم وقدر أمانتهم، ولم يستشعر شيئا من الكراهية لمبادئهم الدينية، ولكن طالما بقى قسطنطيوس في المركز التابع أو الثاني قيصر (لا أغسطس)، فانه لم يكن في مقدوره، صراحة، أن يرفض قوانين دقلديانوس، أو يعصي أوامر مكسيميان. لكن سلطته على أية حال، ساعدت في تخفيف الآلام التي حزن لها وكرهها. فقد رضى على كره منه بهدم الكنائس، ولكنه جرؤ على حماية المسيحيين أنفسهم من بطش الجمهور ومن جور القوانين. ودانت ولايات الغال (ويمكن أن تلحق بها بريطانيا على الأرجح) بالهدوء الفريد الذي نعمت به، لوساطة مليكهم الكريمة. ولكن داشیانوس، رئيس أسبانيا أو حاكمها، بفعل الغيرة أو السياسة، أثر أن ينفذ المراسيم العامة التي أصدرها الامبراطوران، على أن يفطن الى المقاصد الدفينة في نفس قسطنطيوس. وقل أن يوجد مجال للشك في أن إدارته للولاية قد تلطخت بدماء نفر من الشهداء. ولما تبوأ قسطنطيوس إلى الرتبة السامية المستقلة مرتبة أوغسطس - انفسخ أمامه مجال العمل الحر لتحقيق رغباته. ولم يمنعه قصر حكمه من إرساء أسلوب جديد للتسامح، كان لابنه قسطنطين فيه قدوة يحتذيها، ومنه ناموس يسير على هديه. واستحق الأبن الموفق - الذي أعلن نفسه منذ اللحظة الأولى لارتقائه عرش الإمبراطورية، حامى الكنيسة - استحق أن يطلق عليه أنه أول إمبراطور اعترف علانية بالديانة المسيحية وثبت دعائمها. إن بواعث تحوله، التي يمكن استخلاصها، بشكل أو بآخر، من حب الخير، أو السياسة، أو الاقتناع، أو تأنيب الضمير ونجاح الإنقلاب الذي اصبحت معه المسيحية، بفضل نفوذه القوي ونفوذ أبنائه، الديانة الغالبة في الإمبراطورية الرومانية - نقول إن كل أولئك سوف يشكل فصلا ممتعا هاما في فصل تال من هذا التاريخ، أما الآن فيكفي أن نشير إلى أن كل انتصار أحرزه قسطنطين كان له بعض الأثر في التخفيف عن الكنيسة وبعض النفع لها

وعانت ولايات إيطاليا وأفريقية من اضطهاد لم يطل أمده ولكنه كان عنيفا، ذلك أن مراسيم دقلديانوس الجائرة نفذها، في دقة 


۳۳۳




وابتهاج، شریکه مکسیمیان، الذي كره المسيحية منذ زمن طويل، والذي كان يطرب لسفك الدماء وأعمال العنف. والتقى الامبراطوران دقلديانوس ومكسيميان، في خريف العام الأول للاضطهاد، في روما، ليحتفلا بذكرى انتصارهما. ويبدو أن عدة قوانين جائرة قد انبثقت عن مشاوراتهما السرية، واستمد الحكام من حضرة الامبراطورين قوة. وبعد تنازل دقلديانوس عن الحلة الإمبراطورية، عهد بإدارة إيطاليا وأفريقية الى سيفيروس، وتعرضتا دون دفاع لسخط سيده جالريوس الذي لا يرحم ومن بين شهداء روما، يستحق أدوكتس Adauctus تمجيد الأجيال القادمة، فقد كان سليل أسرة نبيلة في روما، وتدرج في مناصب القصر، حتى وصل الى المنصب الخطير، خازن الممتلكات الإمبراطورية الخاصة. وقد ذاعت شهرة أدوكتس باعتباره أول شخص من ذوى المكانة والامتياز يبدو أنه لقى حتفه طوال فترة هذا الاضطهاد العام، وأعاد تمرد مكسنتيوس على الفور السلام والهدوء إلى كنائس إيطاليا وأفريقية، وظهر نفس الطاغية الذي سام سائر طبقات رعاياه ألوان الظلم بمظهر العادل الوديع، بل حتى المتحيز للمسيحيين المنكوبين. واعتمد على عرفانهم لجميله وحبهم له. وكان طبيعيا أن يقدر أن ما عانوا من أذى، وما ظلوا يتوقعون من أخطار، على يدي عدوه العنيد لابد أن يؤمن له إخلاص فريق باتت له بالفعل أهميته وقيمته عددا وثراء، بل أن سلوك مكسنتيوس نحو أساقفة روما وقرطاجة قد يعتبر دليلا على تسامحه، حيث أنه من المحتمل أن أكثر الأمراء استقامة وتمسكا بالدين لا بد أن ينهجوا مثل هذا النهج إزاء رجال الدين القائم. وكان مارسلس Marcellus، أول هؤلاء الأحبار قد أثار الاضطراب في العاصمة بما فرض من كفارة على عدد كبير من المسيحيين الذين كانوا قد نبذوا أو تنكروا للدين، في فترة الاضطهاد السابق. واشتد الهياج، وتوالت الفتن العنيفة، وسفك المؤمنون دماءهم بأيديهم، ووجد أن نفى مارسلس الذى بدا أن فطنته كانت أقل سموا من غيرته هو الإجراء الوحيد الذي يمكن به إعادة السلام إلى  الكنيسة الممزقة في روما. ويبدو أن سلوك منسوريوس أسقف قرطاجه، ما فتى ينذر بالخطر. فأن أحد شمامسة هذه المدينة نشر قذفا في حق الامبراطور، واحتمى الشماس المسيء بدار الأسقفية ورغم أن الوقت لم يكن قد حان بعد للمطالبة بحق الحصانة الكنسية، فقد رفض الأسقف تسليمه إلى أيدى العدالة. واستدعى منسوريوس إلى البلاد، من أجل هذه المقاومة التي تتسم بالخيانة، ولكنه، بدلا


٣٣٤


من أن يتلقى حكما عادلا بالإعدام أو النفي، سمح له بعد تحقيق قصير بالانصراف إلى أبرشيته.

تلك كانت حالة السعادة التي نعم بها رعايا مكسنتيوس المسيحيون، إلى حد أنهم إذا عن لهم أن يحصلوا على بعض جثث الشهداء لاستعمالهم الخاص، اضطروا الى شرائها من أقصى ولايات الشرق، وثمة قصة تروى عن آجلا Aglae، وهي سيدة رومانية منحدرة من إحدى أسرات القناصل، تمتلك ضيعة كبيرة تطلبت إدارتها ثلاثة وسبعين موظفا، كان بونيفاس Boniface أكثرهم حظوة لدى سيدته، ويروى أنه لما مزجت أجلا الحب بالعبادة، سمحت له بمضاجعتها، ومكنتها ثروتها من تحقيق الرغبة التقية في الحصول على بعض الرفات المقدسة من الشرق، فزودت بونيفاس بمبلغ كبير من الذهب، وكمية كبيرة من العطور، وسعى عشيقها - يحف به أثنا عشر خيالا، وتتبعه ثلاث عربات مغطاة، حاجا إلى مكان سحيق، إلى مدينة طرسوس في قيليقيا


مرسوم جالريوس للتسامح



تعليقات