مرسوم جالريوس من كتاب اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها للمؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبونْ

 مرسوم جالريوس للتسامح


للاضطهاد كان جالريوس ذو المزاج الدموي والمنشيء الأول والرئيسي شديد البأس على المسيحيين الذين ألقى بهم حظهم العاثر في نطاق مملكته، وقد يحق لنا أن تذهب بنا الظنون إلى أن أفرادا كثيرين من الطبقة الوسطى الذين لم تحد من حريتهم قيود الثروة أو أغلال الفاقة، كثيراً ما هجروا وطنهم والتمسوا ملجأ وملاذاً في المناخ --الذي هو أكثر اعتدالا في الغرب، وطالما اقتصر سلطان جالريوس على جيوش الليريكوم Illyricum وولاياتها فإنه لقى صعوبة في العثور على الشهداء أو صنع عدد منهم، وسط بلد محارب استقبل المبشرين بالإنجيل بفتور وامتعاض أكثر مما استقبلوا بهما في أي مكان آخر في الإمبراطورية. ولكنه حين استحوذ على السلطة العليا، وآلت إليه حكومة الشرق، سدر في غيرته وقسوته إلى أبعد مدى، لا في ولایتي تراقيا وآسيا فقط، حيث دانت هاتان الولايتان لسلطانه المباشر، بل كذلك في ولايات سوريا وفلسطين ومصر، حيث أرضى مكسيمين نزعته الخاصة بالطاعة العمياء لأوامر ولي نعمته الكالحة. أما جالريوس فقد أقنعته آخر الأمر خيبته المتكررة في تحقيق أطماعه، وتجربة سنوات ست من الاضطهاد، والأفكار المفيدة التي أوحى بها الى عقله اعتلال طويل المدى أليم في صحته أقنعته بأن أعنف أعمال الاستبداد والطغيان لا تكفى لإبادة شعب بأسره، أو للقضاء على معتقداتهم -






الدينية، ومن ثم أصدر - تحدوه الرغبة في إصلاح ما أفسدته يداه مرسوما عاما يحمل اسمه، واسمي ليسينيوس، وقسطنطين، تألقت في ديباجته المشرقة الألقاب الامبراطورية، ثم جاء بعدها :


من بين المهام الخطيرة التي تشغل أذهاننا، من أجل مصلحة الإمبراطورية والحفاظ عليها، أن اتجهت ارادتنا إلى تصحيح كل الأوضاع، وإعادة بنائها، وفقا للقوانين القديمة، والنظام العام عند الرومان. وإنا لشديدو الرغبة، بصفة خاصة، في أن نهدي إلى طريق العقل والطبيعة أولئك المسيحيين المضللين الذين نبذوا الديانة والطقوس التي شرعها آباؤهم، والذين تبجحوا فازدروا شعائر الأقدمين، ومن ثم ابتدعوا قوانين وآراء متطرفة، أملاها عليهم خيالهم، وشكلوا مجتمعا متعدد الألوان في مختلف أرجاء الإمبراطورية، أن المراسيم التي أصدرناها لفرض عبادة الآلهة، عرضت كثيرا من المسيحيين للخطر والكروب، فقضى الكثيرون نحبهم، على حين ظل عدد أكبر سادرين في حماقتهم الملحدة حيث جردوا من الحق في الممارسة العلنية للدين، ومن هنا اتجهت إرادتنا إلى أن نبسط مزايا رأفتنا المألوفة على هؤلاء الأفراد التعساء. ولذلك نرخص لهم في إعلان آرائهم الخاصة في حرية تامة، وفي عقد اجتماعاتهم السرية دون خوف أو ازعاج، شريطة أن يظهروا دوما الاحترام اللائق للقوانين والحكومة القائمة. ولسوف نوضح مقاصدنا للقضاة والحكام، في مرسوم آخر، وإنا لنأمل أن يحفز تسامحنا المسيحيين إلى الصلاة والتضرع الى الإله الذي يعبدون، من أجل سلامتنا ورخائنا. وسلامتهم ورخائهم هم أنفسهم، وسلامة الجمهورية ورخائها» .


وليس من المألوف أن نقفو، في لغة المراسيم والمنشورات، شخصية الأمراء الحقيقية، أو دوافعهم الخفية. ولكن لما كانت هذه ألفاظ إمبراطور يحتضر، فلربما سلمنا بأن يكون موقفه بمثابة تعهد بأخلاصه


ولما وقع جالريوس مرسوم التسامح هذا، كان متأكدا كل التأكد أن ميسينيوس على استعداد لمسايرة نزعات صديقه وولي نعمته، وأن أية خطوات تتخذ لمصلحة المسيحيين سوف تحظى بقبول قسطنطين، ولكن الإمبراطور ( جالريوس... لم يكن ليجرؤ على أن يضع في ديباجة المرسوم اسم مكسيمين، الذي كانت موافقته على أكبر جانب من الأهمية، والذي كان قد تولى بعد ذلك بأيام قلائل حكم ولايات آسيا.


٣٣٦

………..




وفي الشهور الستة الأولى من حكمه تظاهر مكسيمين، على أية حال. بأنه يتبع النصائح الحكيمة لسلفه، ورغم أنه لم يتفضل يوما بإصدار مرسوم عام لتأمين هدوء الكنيسة، فإن سابينوس رئيس حرسه البريتوري، وجه كتابا دوريا إلى الولاة والحكام في الولايات، أفاض فيه الحديث عن رفق الأباطرة واعترف فيه بضراوة عناد المسيحيين، وأشار فيه على رجال القضاء بوقف محاكماتهم العقيمة، وغض الطرف عن الاجتماعات السرية لهؤلاء المتحمسين. وتبعا لهذه الأوامر أطلق سراح كثير من المسيحيين من السجون، أو انقذوا من المناجم. وعاد المصرون على عقيدتهم المسيحية إلى بلادهم، وهم ينشدون أغنية النصر، أما أولئك الذين كانت قد خارت قواهم واستسلموا لعنف العاصمة، فقد توسلوا في دموع الندم في أن يرخص لهم بالعودة إلى أحضان الكنيسة.


ولم يدم طويلا أمد هذا الهدوء الغدار. وما كان مسيحيو الشرق ليثقوا قط فى مليكهم، فإن القسوة والخرافة (العقيدة) كانتا تسيطران على عقل مكسيمين، أما القسوة فقد ابتدعت وسائل الاضطهاد، على حين جددت الثانية أهدافه. فقد كان الإمبراطور مثابرا على عبادة الآلهة ودراسة السحر والإيمان بالوحي، وكثيرا ما ارتقى بالرسل أو الفلاسفة الذين احترمهم وبجلهم على أنهم مقربون إلى السماء، ارتقى بهم إلى  مناصب الحكم في الولايات، ورخص لهم في حضور أخص مجالسه السرية، وقد أقنعه هؤلاء بأن المسيحيين مدينون بانتصاراتهم الى نظامهم الدقيق، وأن ضعف المشركين ناتج عن افتقارهم إلى وحدة رجال الدين وأحكام الرياسة والتدرج بينهم. ومن ثم أدخل أسلوب من الحكم، من الواضح أنه اقتبس من شريعة الكنيسة. وبأمر من مكسيمين تم إصلاح المعابد وتجميلها في كل المدن الكبيرة في أنحاء الامبراطورية وأخضع الكهنة القائمين على خدمة مختلف الآلهة لسلطان حبر أعظم، قدر عليه أن يناهض الأسقف وأن يرعى مصلحة الوثنية. واعترف الأحبار بدورهم بالاختصاص الأعلى لمطارنة الولايات أو كبار الكهنة فيها، أولئك الذين كانوا بمثابة وكلاء مباشرين للامبراطور نفسه.

وكان الرداء الأبيض شعار مرتبتهم العالية، واختير هؤلاء الأحبار الجدد من أشرف الأسر وأغناها، ووصلت بتأثير الحكام وتأثير هذا النظام الكهنوتي - وصلت إلى الإمبراطور رسائل كثيرة تنم عن الطاعة، وبخاصة من مدن نيقوميديا وأنطاكية وصور، تجلت فيها. في مكر ودهاء مقاصد البلاط المعروفة، على أنها نابعة من الشعور العام للشعب، والتمست من الإمبراطور أن يلجأ الى قوانين العدالة،


الاضمحلال جدا - ۳۳۷

……





خيرا من أن يرجع الى ما يمليه عليه رفقه ورأفته، وعبرت عن كراهيتهم للمسيحية، وتوسلت في خشوع الى أنه يجدر، على الأقل، ابعاد هذه الفئة الضالة الملحدة من المسيحيين إلى خارج بلادهم (بلاد أصحاب الرسائل). وما يزال جواب مكسيمين عن ملتمس أهالي صور موجودا. فهو يمتدح غيرتهم واخلاصهم لسيادتهم في عبارات تنم عن أعظم الرضا والارتياح، ويسهب في وصف عناد المسيحيين في إلحادهم. وبمبادرته الى الموافقة على نفيهم، أي المسيحيين، ويعلن إنه اعتبر نفسه كأنما يأتمر هو بأمرهم  أكثر من أن يصدر هو أمرا ملزما.

 وخول الكهنة والحكام حق تنفيذ مراسيمه التي كانت محفورة على ألواح من النحاس. وعلى الرغم من توصيتهم بتجنب سفك الدماء، فقد انزلوا أقسى العقوبات وأبغضها بالمسيحيين المتمردين


وحق للمسيحيين في آسيا أن يتوجسوا كل الخيفة من قسوة ملك عنيد متعصب دبر أعمال العنف بمثل هذه السياسة المقصودة.

ولكن لم تمض شهور قلائل حتى أرغم مكسيمين على وقف تنفيذ خططه بفضل المراسيم التي أصدرها أمبراطورا الغرب، وشغلت كل تفكيره تلك الحرب الأهلية التي تهور فى شنها ضد لوسينيوس، وخلصت هزيمة مكسيمين وموته الكنيسة من آخر أعدائها وأشدهم ضراوة وعنادا.


ولقد تعمدت في هذه النظرة العامة للاضطهاد الذي رخصت فيه لأول مرة مراسيم دقلديانوس، أن أمسك عن وصف المعاناة التي كابدها كل من الشهداء المسيحيين وميتة كل منهم، وكان من الميسور أن تجمع سلسلة من الصور المرعبة الكريهة، من تاريخ يوسوبوس ومن خطابات لكتانتيوس المؤثرة ومن أقدم المؤلفات، وأن تملأ منها صفحات كثيرة بذكر الخوازيق والسياط والأصفاد، والحديد المحمى، وغير ذلك من مختلف ألوان العذاب التي يمكن أن تصلى بها النار والحديد والوحوش الكاسرة والجلادون الذين هم أشد وحشية، تصلى بها جسم الانسان. فإن هذه المناظر الكئيبة المحزنة قد تهيجها أو تبعثها حية مجموعة من الرؤى والمعجزات التي قضى عليها أن تؤجل موت أولئك القديسين المخلصين الذين عانوا الآلام من أجل اسم المسيح أو تسجل انتصارهم أو تكتشف رفاتهم. ولكنى لا أستطيع أن أحدد ماذا ينبغى أن أنقل إلا اذا اقتنعت بما يجدر بي أن أصدق. أن يوسيبيوس نفسه، وهو أكثر مؤرخي الكنيسة وقارا وجدية، ليعترف بأنه روى كل ما قد يؤدي إلى مجد الديانة المسيحية، وأغفل كل ما يمكن


۳۳۸

…….



أن يشينها. وأن مثل هذا الاعتراف ليثير الشك في أن الكاتب الذي خرق خرقا صريحا واحدا من قوانين التاريخ الأساسية، لم يقم وزنا كبيرا لملاحظات الكاتب الآخر، وأن الشك ليكتسب قوة من شخصية يوسيبيوس التي كانت أقل اصطباغا بالسذاجة وسرعة التصديق، وأكثر تمرسا بأفانين البلاط، من شخصية أى واحد من معاصريه تقريبا. والمفروض في بعض حالات معينة، حين كانت بعض بواعث شخصية نابعة من المصلحة أو الحنق تثير حفيظة الحكام، أو كانت غيرة الشهداء تغريهم بنسيان قواعد الحرص وربما قواعد الاحتشام فيخربون المذابح، أو يصبون اللعنات على الأباطرة، أو يضربون القضاة وهم جالسون في منصة القضاء - نقول أن المفروض في مثل هذه الأحوال أن يستنفد مع هؤلاء الضحايا الغيورين، كل ما يمكن أن تبتدعه القسوة أو يصمد أمامه الجلد. ومهما يكن من أمر، فقد ذكرت، في غير حذر، حالتان توحيان بأن المعاملة العامة، التي كانت لقيها المسيحيون الذين كان رجال العدالة قد قبضوا عليهم اقل ضراوة أو أكثر احتمالا مما يتصور، عادة، أن تكون عليه هذه المعاملة


1 - كان يسمح للمؤمنين الذين حكم عليهم بالعمل في المناجم. نتيجة لإنسانية حراسهم أو إهمالهم - ببناء كنائس صغيرة، وبحرية ممارسة ديانتهم في هذه الأماكن المقفرة


٢ - كان الأساقفة ملزمين بكبح جماح الغيرة المتبجحة والتنديد بها، غيرة أولئك المسيحيين الذين سلموا أنفسهم طائعين مختارين، إلى الحكام . وكان بعض هؤلاء قد أرهقهم الفقر والديون، وسعوا سعيا أعمى الى إنهاء وجود تعيس بميتة مجيدة مشرفة. كما خدع آخرون بالأمل في أن فترة قصيرة يقضونها في السجن قد تكفر من كل خطايا الحياة. وهناك فريق ثالث كان يعتمل في نفسه باعث اقل شرفا، وهو الحصول على معاش أكبر أو ربح وغير من الصدقات التي كان المؤمنون المحسنون يدفعونها للمسجونين. وبعد انتصار الكنيسة على كل أعدائها، أدت بالمسجونين مصلحتهم وغرورهم على قدر سواء، الى المبالغة في تقدير ما يستحقون من مجد وشرف، جزاء وفاقا لما عانى كل منهم من آلام. وهنا لابد من القول بأن تعاقب الأزمان أو تباعد المكان قد أفسحا المجال لانتشار الروايات والخيالات والأوهام، وبأن الأمثلة الكثيرة المزعومة لشهداء مقدسين، شفيت على الفور جراحهم، أو جددت قوتهم أو أعيدت اليهم أوصالهم المفقودة


۳۳۹

………




مثل هذه المزاعم كانت ملائمة كافية لازالة أية عقبة واخراس أية معارضة. ولما أدى أثر هذه الأساطير سرفا وتطرفا إلى مجد الكنيسة فقد هلل لها الجمهور الساذج السريع التصديق، وساندتها قوة رجال الدين، كما أقرتها الشواهد المريبة في تاريخ الكنيسة


وانه لمن السهولة بمكان كبير أن يطلق الخطيب الداهية لقلمه العنان للمبالغة أو التخفيف من الأوصاف الغامضة للمنفى والسجن، والألم والتعذيب، إلى حد يحملنا بالضرورة إلى تقصي حقيقة أكثر جلاء وأشد تثبيتا عن عدد من أعدموا نتيجة لقوانين دقلديانوس وشركائه وخلفائه. إن الروايات الحديثة تسجل الحشود والمدن التي اجتاحتها سورة الاضطهاد دون تمييز. أما الكتاب القدامى فيكتفون بوابل من السباب واللعنات الفاجرة المفجعة، دون أن يتفضلوا بالتحقق من الرقم الدقيق لأولئك الذين قيض لهم أن يؤكدوا بدمائهم إيمانهم بالإنجيل. ويمكن أن نستخلص من تاريخ يوسيبيوس، على أية حال،


أن حكم الإعدام صدر على تسعة أساقفة، كما يؤكد لنا تعداده الخاص لشهداء فلسطين أن عدد المسيحيين الذين فازوا بهذا اللقب الكريم لم يتجاوز اثنين وتسعين (1) . ولما كنا على علم تام بمقدار الغيرة والشجاعة الدينية اللتين سادتا ذاك العصر، فليس في مقدورنا أن نستخلص أية نتائج مفيدة من أولى هاتين الحقيقتين، أما الثانية فقد تصلح لتبرير نتيجة هامة محتملة جدا. فإن فلسطين - وفقا لتوزيع الولايات الرومانية، تعتبر القسم السادس عشر من الإمبراطورية الشرقية، ولما كان هناك بعض الحكام الذين تنزهوا نتيجة لشعور


(۱) و يختم روايته بأن يؤكد لنا بأن هذا هو عدد من استشهدوا في فلسطين طوال فترة الاضطهاد وقد يبدو أن الفصل التاسع من كتابه الثامن المتعلق بولاية طيبة في مصر، يتعارض مع تقديرنا المعتدل، ولكنه يؤدي بنا الى الإعجاب بدهاء المؤرخ في علاج الموضوع، فقد اختار أبعد الأركان وأكثرها انعزالا في الامبراطورية الرومانية مسرحا لأبشع أعمال العنف والقسوة، وقال أن ما بين عشرة ومائة شخص كثيرا ما استشهدوا كل يوم في طيبة. ولكنه لما انتقل إلى الكلام عن رحلته في مصر أصبحت لهجته، دون أن يحس، أكثر حرصا واعتدالا. وبدلا من الإتيان برقم كبير، ولكنه محدد، تراه يتحدث عن كثير من المسيحيين، وينتقى في دهاء بالغ - لفظتين مبهمتين، يبدو أنهما تشيران إما إلى ما رأى أو إلى ما سمع، وإما إلى توقع العقوبة أو إلى تنفيذها. فلما تهيأت له هذه المراوغة الآمنة تقدم بهذه القطعة المبهمة إلى القراء والمترجمين، وهو يدرك بحق أن ورعهم سيحملهم على إيثار المعنى الأوفق لهم. وربما اتسمت بالخبث إشارة تيودوروس ميتوشينا Theodorus Metochita إلى أن كل الواقفين على أحوال المصريين - مثل يوسيبوس Eusebius - - سروا بالأسلوب الغامض المعقد


٣٤٠

……….



حقيقى أو مصطنع من الرفق والرحمة - عن تلطيخ أيديهم بدماء المؤمنين فإنه من المعقول أن يذهب بنا الاعتقاد الى أن البلد الذي شهد مولد المسيحية أنجب على الأقل جزءا من ستة عشر جزءا من الشهداء الذين لقوا حتفهم في نطاق اختصاص جالريوس ومكسيمين. وعلى هذا يكون مجموع الشهداء عامة نحو ألف وخمسمائة، وهو عدد إذا قسم بالتساوى على أعوام الاضطهاد العشرة، لكان نصيب العام الواحد مائة وخمسين شهيدا. فإذا خصصنا نفس النسبة لولايات إيطاليا وأفريقية، وربما أسبانيا كذلك، حيث أوقفت أو ألغيت قوانين العقوبات الصارمة بعد سنتين أو ثلاث، لهبط عدد المسيحيين الذين وقعت عليهم عقوبة الإعدام بمقتضى حكم قضائي في الإمبراطورية الرومانية الى أقل من ألفي شخص. ولما كان من غير المشكوك فيه قط أن المسيحيين كانوا أكثر عددا، وأن أعداءهم كانوا أشد غيظا في عهد دقلديانوس عنهم في أي اضطهاد سابق، فقد يهدينا هذا الحساب المعتدل الى تقدير عدد القديسين والشهداء الأولين الذين ضحوا بأرواحهم من أجل غرض هام سام هو نشر المسيحية في العالم.


ونختم هذا الفصل بحقيقة مفجعة تفرض نفسها على الذهن كرها، تلك هي أنه، حتى مع التسليم دون تردد أو بحث بكل ما سجله التاريخ أو زيفه النسك والتعبد في موضوع الاستشهاد، فإن المسيحيين، في خصوماتهم الداخلية، أصلوا بعضهم بعضا من ألوان العنف والقسوة، ما هو أفظع مما عانوا من غيرة الكفار والزنادقة، ففي عصور الجهل التي أعقبت سقوط الإمبراطورية في الغرب، بسط أساقفة العاصمة الإمبراطورية سلطانهم على العلمانيين والكهنوتيين في الكنيسة اللاتينية. وانتهى الأمر بأن شنت جماعة من المتعصبين الجسورين الذين انتحلوا من القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر الشخصية المحبوبة، شخصية المصلحين - شنوا هجومهم على مسرح الخرافة الذي كان أولئك الأساقفة قد أقاموه، والذي كان من الجائز أن يتحدى الى أمد طويل جهود العقل المتواضعة. ودافعت كنيسة روما بعنف عن الإمبراطورية التي كانت قد كسبتها بالفتن والخداع. وسرعان ما وصم الحرمان من حماية القانون والحروب والمذابح، ونظام الوظائف الدينية، نظاما يدعو إلى السلام فلطخته، ولما كان المصلحون مدفوعين بحب الحرية المدنية والحرية الدينية معا، فقد ربط الأمراء الكاثوليك مصلحتهم بمصلحة رجال الدين، وفرضوا بالنار والسيف إرهاب الأحكام الروحية، ويقال أن مائة ألف من رعايا شارل الخامس في الأراضي المنخفضة


٣٤١

…….






 هولنده  وحدها لقوا حتفهم على يد الجلاد، واكد هذا الرقم الغريب (Grotis ١٥ - ١٦٤٥ من رجال السياسة جروشيوس والقضاء في هولنده ) وهو رجل عبقري عالم احتفظ باعتداله وسط سورة الغضب بين الفرق المتنازعة. وألف حوليات عصره وبلده، في وقت يسر فيه اختراع الطباعة وسائل الأعلام، وزاد من خطر الكشف عن الحقائق، فإذا كان علينا أن نؤمن بصدق جروتيوس، لوجب القول بأن عدد البروتستانت الذين أعدموا في ولاية واحدة في ظل حكم واحد يجاوز كثيرا عدد الشهداء الأولين على مدى ثلاثة قرون وفى نطاق الإمبراطورية الرومانية بأسرها. ولكن إذا توقفت استحالة الواقعة ذاتها على قيمة الدليل، وإذا ثبتت على جروشيوس المبالغة في جدارة السابقين وآلامهم، كان طبيعيا أن نتساءل : أية ثقة يمكن أن توضع في الآثار المريبة المعيبة التي خلقتها السذاجة القديمة، وأية درجة من التصديق يجب أن نوليها أسقفا مهذبا وخطيبا مؤثرا عاطفيا ، نعم تحت حماية دقلديانوس، بالحق المطلق في تدوين الاضطهادات التي عاناها المسيحيون على يد المنافسين المقهورين أو الأسلاف المحتقرين لمليكهم الرحيم .


٣٤٢




تعليقات