على قد فوله قدفوله ... بقلم عبد السلام القطري ... مصر

 





على قد فوله قدفوله

...

هذا المثل من الأمثال الطريفة التي اندثرت والتي كنت أسمعها تتردد كثيراً في شبابي، ولكنني لم أفهم معناه حتى قرأت عنه في مجلة (كل الأسرة) الإماراتية في تسعينيات القرن الماضي بقلم عالم النفس المصري د.يحي الأحمدي رحمه الله. 


وسأروي لكم قصته مع إلقاء الضوء على بعض نواحي الحياة الإجتماعية في مصر في القرن الماضي، وقت ظهور تلك الأمثال.


 كان عدد سكان مصر يتراوح بين العشرين والثلاثين مليون نسمة، ولم تكن بالمناطق الريفية طرق مرصوفة ولا سيارات لنقل الركاب، ولذا كان الناس يستخدمون القوارب للابحار في المجاري المائية لنهر النيل وفروعه كوسيلة سريعة للتنقل بين قراهم ومزارعهم وأعمالهم، وخصوصاً أنّ معظم تلك الممرات المائية كان صالحاً للملاحة ولم تكن به عوائق كالجسور والسدود والقناطر المنتشرة الآن.


ساعد هذا الأمر في نشوء وتطور معظم القرى والمدن المصرية القديمة على ضفاف نهر النيل وفروعه، وحين كانت تلك القرى والمدن تكتظ بالسكان، كان بعض أهلها ينتقل للعيش في الضفة الأخرى للمجرى المائي ويؤسس قرية جديدة مقابل الأولى.


 وعادة ما تكون القرية أو المدينة القديمة أكثر سكاناً ومساحةً من الجديدة، لذا كانت معظم المصالح الحكومية والمدارس والأسواق توجد بها، مما يضطر سكان القرى الجديدة للتنقل بينهما لقضاء مصالحهم وشراء احتياجاتهم أو لتوصيل أولادهم إلى مدارسهم، مستخدمين في ذلك قوارب صغيرة تعمل بالمجاديف وتسمى (المعدية).


 وبالطبع كان على من يستخدم تلك (المعدية) أن يدفع (للمراكبي) الذي يجدف له بعض المال كي ينقله من ضفة إلى أخرى.


ولما كانت النقود في تلك الأيام شحيحة في أيدي الناس، حتى أن الراتب الشهري لمعلم المدرسة الابتدائية مثلاً كان حوالي ثمانية جنيهات مصرية فقط لاغير، كما كان بعض أولياء أمور التلاميذ لا يملكون نقوداً، فكانوا يعطون لأبنائهم كمية من الفول ليدفعها لصاحب القارب أو (المراكبي) مقابل ركوب قاربه وتجديفه له.


 وكانت كمية الفول تتفاوت في المقدار من تلميذ لآخر ، بحسب درجة ثراء أسرته مما يجعله موضع ترحيب أو عبوس صاحب القارب أو المراكبي. 


ولو أمعّنا النظر في الكلمة العامية (قد فوله) الأولى سنجدها تعني بالفصحى مقدار فوله، أما الكلمة العامية الثانية (قدفوله)  فهي تعني في الفصحي (جدفوا.. له)، إذ أن معظم المصريين لا يعطشون (الجيم) أثناء نطقهم لكلمة (جدفوا) ، ويستخدمون حرف (القاف) بدلاً منها فينطقونها (قدفوا).


 وعلى ذلك يكون معنى مثل:

  (على قد فوله قدفوله)


أي بحسب مقدار ما يدفعه لكم الراكب من فول .. (جدفوا له) بسرعة ونشاط أو ببطء وتكاسل.


وكان هذا المثل يضرب أثناء الحديث للتدليل على أن تقديم الخدمة يجب أن يتناسب مع المقابل المادّي الذي يدفعه طالبها.

...


بقلم 

عبد السلام القطري

مصر


https://www.facebook.com/abdelsalamelkatary?mibextid=ZbWKwL





تعليقات