دراسة نقدية للناقد/ محمد المغربي - بورسعيد عن ديوان (وللعشاق أحوال) للشاعر/ محمد الشريف



دراسة نقدية للناقد/ محمد المغربي - بورسعيد

عن ديوان (وللعشاق أحوال) للشاعر/ محمد الشريف



مسافة بين الظلمة والنور


مفتتح

===


   قال مولانا شمس الدين التبريزي (بئر المحبة لا دلو لها، إذ لا يشرب منها إلا غريق) عند السباحة في بحار الشعر الإنساني المتسامي لابد من ارتداء طوق نجاة يحمينا من الأمواج المتلاطمة المفاجئة؛ كيلا تسوخ تحت رؤانا رمال القاع المخادعة ووسط أنواء الحب والعشق وعواصف اللذة والاستشهاء تتماوج كلمات الشاعر محمد الشريف في زورقه الناجز من ديوان (وللعشاق أحوال..)

* إذن لنفضفض معًا بكارة الكلمات بحذر حتى لا نفسر تهاويم العشق الإلهي ولا نحط بقدر المتعة واللذة الإنسانية بين دفتي الديوان.


أولًا: ما وراء اللغة


   كثيرًا ما يمنح الشاعر بعضًا من مقاصده وهجًا نائيًا وراء مفردات لغة الشاعر، وهذا ما نلمسه في كثير من أبيات ديوانه، تلمسوا معي ماذا يراد بقوله: (بحور الشعر أزهارّ وللأزهار أشغالٌ فبعض الزهر فواحٌ، وبعض الزهر قتَّالُ)

   إلام يلمح الشاعر بمفردة أزهارــــ زهر فبعض الزهر على المستوى الطبيعي فواحُ، لكنه لا يمكن أن يكون "قتالًا") بذات المنظور، إذن القتال الفاتك هنا هو ذاك المسكوت عنه وراء الكلمات، إنه الحب/ أو هو العشق تلك العاطفة السامية الإنسانية التي تفوح عطرًا وتمور فرحًا لكنها كثيرًا ما تكون مؤلمة حد الموت عشقًا وحين يصل الشاعر لقوله: (وعشق الله ما أشدو، وللعشاق أحوال) يتماهى الشاعر مع المصطلح الصوفي الأشهر أحوال العاشق "وهنا عتبة القصيدة" وللعشق الإلهي أحوال ومراتب ودرجات لا يدركها يحقيقتها إلا (من ذاق وعرف)؛ أعلاها مرتبة فناء الذات الإنسية في الذات الإلهية العُليا هكذا يدلف شاعرنا إلى أفاويق السماء بحثًا عن الله وعن ملكوته.


ثانيًا: فيزيقا الصورة وميتافيزيقا المعنى


   في قصيدته (ليلايَ أنتِ) ص 13 يقول: (لا تعبثي بوعاء الكحل آمنةً، فالكحل يسرق من عينيك "غدَّارا") تلمس معي أيها القارئ العزيز أن وعاء الكحل "المكحلة" تأخذك لمشهد مادي تتجسد صورته أمام عينيك بلا ريب، بل ويزيد الصورة تجسيدًا وبروزًا أن المخاطبة هنا تعبث بالمكحلة دون خوف أو تردد، مما يدفعنا لتوقع قادم؛ أن الأمن الذي تشعر به المُخاطَبة "الحبيبة مثلًا" يكمن وراءه حذر ما، سرعان ما يستبين أن الكحل ذاته تحول إلى سارق غادر يسرق من جمالها وبدلًا من أن يزيدها جمالًا "فهي تكتحل" تزيده هي حُسنًا وبهاءً، فلنتأمل كيف قَلَب الشاعر الصورة عكس منطق الأشياء، فهكذا يكون الشعر له منطقه الجمالي المُغرَق في الذاتية والنسبية خاصة حين يشير بتورية جمالية من عُمق الأسلوب البلاغي إلى أن:

- (والغصن لان كأن البان قلده والثوب غطى، فليت الثوب ما غار) حيث انقلبت الصورة الاستعارية من تشبيه قوام الحبيبة بقوام غصن البان ليتحول في شطر محمد الشريف إلى قيام غصن البان بالتشبه بقوام الحبيبة/المحبوب – وبالتالي تنصهر جماليات المعنى داخل تجسيدات مادية ملموسة فوق كونها مرئية لتزيدنا حبًا وهَوَسًا بما أَحَبَّه الشاعر وعَشِقه متماسًا عن بُعد مع الحب الإلهي الذي منبع العشق بالعشق عامة.



https://www.facebook.com/mohmedshref100?mibextid=ZbWKwL


ثالثًا: نغم القصيدة يترنم عشقًا


   حين يقول الشاعر في قصيدته "شادي القلوب" (الكون يعزف والقلوب إذا انتشت مقطوعة من ذاق فك وثاقًا)

   فالكون الهائل ذاك تحركه يد العناية الإلهية بتناسق وتآذر هرموني بديغ كمقطوعة موسيقية تتضافر نغماتها وألحانها لتمنحنا انتشاءً تطرب له القلوب وتُبحِر به الأخيلة في عوالم مطلقة لا تحدها قيود الجسد ولا عوائق الطبيعة، فذلك الهارموني الكوني البديع إذا ما تذوقه المحب تساقطت كل قيوده الدنيوية وتفككت سلاسل أَسرِه؛ فيخلق عالمه الشعوري المُحلق في فضاء الخيال الإنساني الطليق بل إن الشاعر يستزيد متعته راجيًا من شادي القلوب المرنم هذا أن يزيده نغمًا وترتيلًا إذ أدمنت روحه ذلك الترياق.


رابعًا: ارتحال في مدارج الحب الإلهي


   يقول في قصيدته "يذوب النور" (يذوب النور في قلب تحلى .... وعز عن التجلي في الشتات ........ إلى أن يقول: فإن ألقى عليه قميصَ فكرٍ يحلق في الحقيقة والصفات) هنا يتكئ الشاعر على مفردات ومصطلحات الصوفية الكبرى (التخلي.. والتحلي.. قميص فكر.. الحقيقة والصفات) وكلها تصعد بالشاعر والمتلقي معًا في مراتب الصوفية المتسامية، فالتخلي إخلاء القلب من شواغل الحياة ومُتع الدنيا ولو كانت حلالًا. أما التحلية فهي تجميل القلب والروح بحب الله وطاعة أوامره حبًا لا خوفًا؛ هنا تأتي المرحلة الثالثة وهي التجلي حيث يشعر المحب بفناء ذاته ووجوده أمام ذات الله ووجوده جل وعلا، فيصل بذلك لمرحلة الرضا التام بما قدره الله لعبيده كدرًا أو سرورًا "الإيمان بالقدر خيره وشره" هكذا تسمو النفس عن علائق الدنيا لتحيا مع خالقها في سعادة دائمة. وهنا يتكئ الشاعر على حدث ديني وراثي هو قول النبي يوسف عليه السلام خذوا قميصي هذا فألقوه على وجه أبي يرتد بصيرًا، وفي إلقاء القميص على وجه من أعمته ملذات ومُتَع الدنيا تنبيه ويقظة لاستعادة الرؤية الحقيقية للكون وللخلق ولحكمة الخالق وفهم حقيقة صفاته وقدراته جل وعلا. أليست هذه رحلة في عالم محمد الشريف الإبداعي سعيًا لفهم الكون وعِشق خالقه وحب المخلوق؟.... لك الله يا محمد


ملحوظة:

   بالديوان رحلات عشق أبعد مدى وأعمق أثرًا لو فُتحَت لنفسٍ آماد المناقشة لاستغرقت وقتًا لا أملكه.


...

بقلم 

محمد المغربي

                                               بورسعيد


https://www.facebook.com/mohamad.elmaghraby?mibextid=ZbWKwL




تعليقات