انتصار دقلديانوس ، ونظامه الجديد
وما وافت السنة العشرون من حكم دقلديانوس حتى احتفل بهذه الفترة المشهودة ، وبظفر جيوشه في موكب نصر روماني . ولم يشاركه في جلال هذا اليوم وبهائه إلا مكسيميان شريكه المتكافيء معه في القوة والسلطة . وقد حارب القيصران وفتحا - ولكن ، تبعا لصرامة المبادىء القديمة ، نسب الفضل في كل منجزاتهما الى النفوذ الموفق والطالع السعيد لأبويهما وأمبراطوريهما . وربما كان انتصار دقلديانوس
………….
ومكسيميان أقل فخارا من إنتصار أوريليوس وبروبوس ، ولكن عدة ظروف أضفت على الأول شهرة أكبر وحظا أسعد ، فقد أقيمت الأنصاب التذكارية في إفريقيا وبريطانيا والراين والدانوب والنيل .
ولكن أبرز زينة وأبهى احتفال كانا ذوى طبيعة فريدة : انتصار في فارس أعقبه فتح مبين ، فحملت أمام العربة الامبراطورية رسوم الأنهار والجبال والولايات . وثمة مشهد جديد أرضى غرور الشعب : زوجات كسرى العظيم وأخواته وأطفاله ، ممن وقعن أسيرات .
وهذا إنتصار مشهور مذكور لدى الذراري والأعقاب ،
لأنه ينفرد بميزة أدنى شرفا وأقل مجدا .
ذلك أنه كان آخر انتصار شهدته روما . فقد توقف الأباطرة بعد هذه الفترة عن قهر الأعداء ، وتوقفت روما عن أن تكون عاصمة الامبراطورية .
وكانت البقعة التي أسست عليها روما قد اختصت بطقوس قديمة ومعجزات موهومة.
فبدا أن وجود إله ما ، أو ذكرى أي بطل ما ، أنعش كل أرجاء المدينة وبعث فيها الحياة.
وأن الكابيتول قد وعد بإمبراطورية العالم . وأحس المواطنون الرومان بقوة هذا الوهم المقبول وأقروه، فقد نبع من آبائهم الأولين ، ونما وترعرع مع أقدم عادات حياتهم ، ثم رعته وتعهدته ، إلى حد ما ، فكرة المنفعة السياسية .
وكان كيان الحكومة ومقرها ممتزجين الواحد منهما بالآخر مزجا شديدا . ورئى أنه لم يكن من الميسور نقل أحدهما دون تدمير الآخر .
وتقلصت مع الأيام سيادة العاصمة بالتوسع في الفتوح ، وارتقت الولايات الى نفس المستوى ، وحصلت الأمم المقهورة على الاسم والامتيازات دون أن تتغذى بمشاعر الحب والتعلق التي وضعها الرومان .
على أن بقايا الدستور القديم وتأثير العرف حافظا على مكانة روما لفترة طويلة .
ورغم أن الأباطرة كانوا قد نشأوا في أفريقية أو في الليريا ، فانهم احترموا البلاد التي بنوها ، بوصفها مقراً لسلطانهم وقوتهم ، ومركز أملاكهم الشاسعة . وكثيرا ما اقتضت طوارىء الحرب وجودهم على الحدود ، ولكن دقلديانوس ومكسيميان كانا أول الأباطرة الرومان الذين حددوا اقامتهم العادية في الولايات في زمن السلم . ومهما كان من بواعث خاصة وراء سلوكهما هذا ، فقد برراه باعتبارات سياسية،
نمقوها تمويها . فاستقر بلاط إمبراطور الغرب ، على الأغلب ، في ميلان حيث بدا موقعها في سفح جبال الألب أفضل من موقع روما ، تحقيقا لغرض هام هو مراقبة حركات المتبربرين فى ألمانيا . وسرعان ما انتحلت ميلان بهاء المدينة الإمبراطورية وفخامتها . فوصفت الدور بالوفرة وجمال البناء ، ووصف سلوك الشعب بالتهذيب والصقل والسخاء .
۲۱۰
…………
وزاد في رواء العاصمة الجديدة السيرك والمسرح ، ودار سك النقود ، والقصر ، والحمامات ، التي حملت اسم سيدها مكسيميان ، الى جانب الأروقة التي زينت بالتماثيل والأسوار المزدوجة التي أحاطت بها ، كذلك يبدو أنه لم يضايقها قربها من روما .
وكان دقلديانوس كذلك يطمع في منافسة عظمة روما ،
وكان قد استغل أوقات فراغه ، كما استخدم ثروة الشرق في تجميل نيقوميديا ، وهي مدينة تقع على حافة أوربا وآسيا ، على مسافة تكاد تكون واحدة بين الدانوب والفرات .
وفي بضع سنين قليلة بلغت نيقوميديا درجة من الفخامة ارتضاها ذوق الملك ودفع ثمنها الشعب ،
حتى بدا أنه قد تم في بضع سنين ما كان انجازه يتطلب جهد العصور ،
وباتت نيقوميديا أقل من روما والإسكندرية وانطاكية في كثافة السكان فقط، وكانت حياة دقلديانوس و مكسيميان حياة جد وعمل ، ولقد قضيا جزءا كبيرا منها في المعسكر ، أو في مسيراتهم الطويلة الكثيرة ، حتى اذا سمحت الأعباء العامة لهما ببعض الاسترخاء والاستجمام سعدا باللجوء الى مقرهما المفضل الأثير في نيقوميديا وميلان .
ومن المشكوك فيه كثيراً أن يكون دقلديانوس قد زار يوما العاصمة القديمة للامبراطورية الى أن احتفل بيوم النصر في العام العشرين من حكمه ،
وحتى في هذه المناسبة المشهودة لم تطل إقامته فيها لأكثر من شهرين . وضاق ذرعا واستاء من فجور الناس في رفع الكلفة ، فغادر روما قبل الموعد الذي كان متوقعا أن يحضر فيه الى السناتو ليضعوا عليه شعارات مرتبة القنصل ، بنحو ثلاثة عشر يوما .
ولم يكن المقت الذي أبداه دقلديانوس نحو روما ونحو الحرية الرومانية نتيجة لنزوة عابرة ، بل كان نتيجة لأعظم دهاء في السياسة فقد ابتدع هذا الأمير المحتال أسلوبا جديدا للحكومة الامبراطورية ،
استكملته فيما بعد أسرة قسطنطين ، ولما كان شبح الدستور القديم محفوظا في السناتو يحوطه التقديس والاجلال ، فقد صمم على أن يحرم هذا النظام من بقايا قوته وأهميته . وقد نعود بذاكرتنا الى ما قبل ارتقاء دقلديانوس على العرش بثماني سنوات الى عظمة السناتو الزائفة وآماله العريضة . وما دام هذا الحماس سائدا ، فقد اندفع كثير من النبلاء في اظهار غيرتهم على الحرية . وبعد أن سحب خلفاء بروبوس تعضيدهم عن الحزب الجمهورى ، لم يعد أعضاء السناتو قادرين على اخفاء استيائهم العاجز.
وعهد الى مكسيميان - بوصفه ملك إيطاليا -بقمع هذه الروح المزعجة ، ولو أنها ليست خطيرة . والحق أن هذه المهمة التأمت كل الالتئام مع طبعه العنيف القاسي ، فأخذ مكسيميان ألمع
۲۱۱
…….
شيوخ السناتو الذين تظاهر دقلديانوس بتقديره لهم ، بتهمة الاشتراك في المؤامرات الوهمية . وكان اقتناء دار فخمة أو ضيعة معتنى بزراعتها يفسر على أنه دليل قاطع على الجريمة . وبدا معسكر البريتوريين يحمى مكانة روما بعد أن كان ردحا طويلا من الزمن أداة ظلم لها ، ولما كانت هذه الفرق المتغطرسة تدرك اضمحلال سلطانهم فإنهم جنحوا بطبيعة الحال الى التوحيد بين قوتهم وبين سلطة السناتو . وتناقص عدد البريتوريين بطريقة غير ملحوظة طبقا لاجراءات الحيطة والحذر التي اتخذها دقلديانوس ، كما ألغيت امتيازاتهم ، وحل محلهم فرقتان مخلصتان موثوقتان من الليريكوم ، عينتنا للقيام بمهام الحرس الإمبراطوري ، تحت اسم جديد : ( الجوفيانيون والهرقوليون » ولكن أقسى طعنة مميتة تلقاها السناتو من يد دقلديانوس ومكسيميان ، ولو أنها طعنة خفية ، هي غيابهما المحتوم الذي لا مناص منه . فطالما سكن الأباطرة روما،
فمن الجائز أن يعاني هذا المجلس شيئا من الظلم والجور ولكن لا يغفل أمره قط،
ولقد مارس خلفاء أغسطس سلطة فرض القوانين التي ترتضيها حكمتهم أو توسوس بها نزواتهم ، ولكن اجازة هذه القوانين كانت تتم بعد اقرار السناتو لها : وبقى النموذج القديم للحرية ماثلا فى مناقشاته وقراراته . وإلى حد ما اضطر الأمراء الحكماء الذين احترموا آراء الشعب الروماني ، إلى انتحال السلوك وأسلوب الكلام اللذين يليقان بهذا المصدر العام الأول للحكم في الجمهورية انهم في الولايات ومع الجيوش أظهروا أبهة الملك ورفعة السلطان ،
ولكنهم اذا اتخذوا مقرا لهم بعيدا عن العاصمة ، نبذوا الى الأبد ذلك الرياء أو التصنع الذي أوصى به أوغسطس خلفاءه . متداول الملك مع وزرائه فيما يتعلق بممارسته لسلطته التنفيذية والتشريعية على حد سواء ، بدلا من التشاور مع المجلس الموقر للأمة .
وقد أحيط اسم السناتو بالتكريم والتبجيل حتى نهاية عهد الامبراطورية .
وكانت الامتيازات الشرفية لا تزال تشبع غرور الأعضاء ، ولكن المجلس الذي طالما كان مصدر السلطة
وأداتها آذن بالتردى في زوايا النسيان في خشوع وإجلال ، وبقى سناتو روما ، بعد أن فقد صلته بالبلاط الإمبراطوري وبالدستور الفعلى تحفة جليلة عديمة النفع من الآثار القديمة ، فوق تل كابيتولين
وقد سهل على أمراء الرومان - وقد تخلوا عن السناتو وعن عاصمتهم القديمة فلم يعودوا يرون منهما شيئا - أن ينسوا مصدر سلطتهم الشرعية وطبيعتها . فان الوظائف المدنية : القنصل، والبروقنصل ، والمراقب ، والتربيون ، -- تلك التي شكلت
212
………
هذه السلطة هي التي فضحت للشعب نشأتها الجمهورية . وطرحت هذه الألفاظ المتواضعة جانبا ، واذا كانت قد احتفظت بمقامها الرفيع تحت اللقب الفخم ( الامبراطور ( فان هذه الكلمة قد فهمت بمعنى جديد أسمى ، ولم تعد تدل على قائد الجيوش الرومانية ، بل على سيد العالم الروماني . وارتبط اسم ( الامبراطور ) الذي كان في بداية الأمر ذا طبيعة عسكرية - باسم آخر من طراز أكثر ذلة . ولم يكن لقب دومینوس Dominus أو سيد Lord في دلالته البدائية ، يعنى سلطان الأمير على رعاياه ، أو القائد على جنوده ، ولكنه كان يعبر عن السلطة الاستبدادية المطلقة للسيد على عبيده المحليين . وعلى أساس هذه النظرة الكريهة ، رفضه القياصرة الأولون ، مقتا ونفورا . ولكن ضعفت مقاومتهم بشكل غير ملحوظ ، وأصبح الاسم أقل مقتا ، حتى ان اسم سيدنا وامبراطورنا » لم يعد في النهاية يسبغ ملقا ورياء فحسب ، بل ادخل كذلك فى القوانين والآثار العامة .
وكانت مثل هذه الألقاب الرفيعة كافية لترضى وتشبع أشد الغرور ، واذا كان خلفاء دقلديانوس قد ظلوا يتخلون عن لقب ( ملك » ، فيبدو أن هذا لم يكن راجعا الى اعتدالهم ، أكثر منه الى ضعفهم . وحيثما استخدمت اللغة اللاتينية ) وقد كانت لغة الحكومة في مختلف أرجاء الامبراطورية ) كان لقب امبراطور ) - وهو خاص بهم أنفسهم - يحمل فكرة الاجلال والاكبار أكثر مما يحمل لقب « ملك » الذي ربما شاركوا فيه مائة من رؤساء المتبربرين أو على أحسن الفروض ، أخذوه عن رميلوس وتاركين،
وكانت العواطف والأحاسيس تختلف في الشرق عنها في الغرب . ومنذ أقدم عصور التاريخ كان حاكم آسيا يكرمونه في اللغة اليونانية بأن يطلقوا عليه لقب « باسيليس ، Basileus أو «ملك». ولما كان هذا اللقب يعتبر أرفع مقام بين الرجال ، فإن أهل الولايات التابعين الخاضعين سرعان ما استخدموه في مخاطباتهم المتواضعة إلى العرش الروماني ، واغتصب دقلديانوس ومكسيميان حتى صفات ( الألوهية » أو على الأقل ألقابها ، ونقلوها الى سلسلة متعاقبة من أباطرة مسيحيين ممن جاءوا فيما بعد ، على أن هذه المدائح والتحيات المسرفة سرعان ما تفقد روعتها بضياع معناها ، حتى اذا ألفت الأذن يوما رنينها ، استمعت إليها في استهتار ، وكأنها احتراف غامض مسرف للاجلال والاحترام .
۲۱۳
……
