الفصل السادس عشر
( ٢٥٨ - ٣١٣م )
سياسة الحكومة الرومانية ازاء المسيحيين
موقف الأباطرة • استشهاد سبريان . تنوع سياسة الاضطهاد الكنيسة في عهد دقلديانوس وخلفائه . مرسوم جاليريوس للتسامح
سياسة
إننا إذا تأملنا جديا في طهارة الدين المسيحى، ونقاوة تعاليمه الأخلاقية وبراءة حياة الكثرة الكثيرة ممن اعتنقوا الدين في صدر المسيحية، وتقشفهم وتشددهم، لكان أمرا طبيعيا بالضرورة أن نذهب الى القول بأن مثل هذه العقيدة الخيرة البارة كان يمكن أن يتلقاها، حتى العالم غير المؤمن، بالإجلال اللائق ، وأن يقرر العلماء والمهذبون رغم سخريتهم من المعجزات، فضائل الطائفة الجديدة، وأن يحمي الحكام بدلا من أن يضطهدوا، أفراد هذه الفئة الذين التزموا الطاعة العمياء للقوانين، ولو أنهم عزفوا عن المهام الجدية في الجيش والحكومة. ولكنا، من جهة أخرى، إذا تذكرنا التسامح التام الذي قوبل به مذهب الشرك وتعدد الآلهة، ذلك التسامح الذي آمن به الناس دون تفريق، وتذكرنا ارتياب الفلاسفة وعدم تصديقهم، وسياسة السناتو والأباطرة الرومان، إذا استرجعنا كل أولئك في الذاكرة لوقعنا في حيرة من الأمر، ولساءلنا : أي ذنب جديد جناه المسيحيون، وأي استفزاز جديد أسخط وغاظ اللامبالاة الرفيقة القديمة، وأية بواعث جديدة دفعت بالأمراء الرومان الذين لم يلقوا يوما بالا إلى ألف من الديانات عاشت في سلام في ظل حكمهم الوادع دفعت بهم إلى انزال أشد العقاب بأي فريق من رعاياهم اختاروا لأنفسهم لونا فريدا بريئا من العقيدة والعبادة ؟.
ويبدو أن السياسة الدينية القديمة اتخذت موقفا أشد صلابة وأبعد عن التسامح، لتقاوم تقدم المسيحية. وبعد نحو ثمانين عاما من
۲۸۸
……..
موت المسيح عوقب تلاميذه الأبرياء بالإعدام الذي أصدر الحكم به بروقنصل وديع مولع بالفلسفة، بناء على قوانين سنها إمبراطور اتسمت إدارته العامة بالحكمة والعدالة. وكم امتلأت صفحات الدفاع التي وجهت مرارا إلى خلفاء تراجان بالشكاوى المحزنة المثيرة من أن المسيحيين الذين استجابوا لحرية الضمير، وتوسلوا إليها، حرموا وحدهم، دون سائر رعايا الإمبراطورية، من المزايا المشتركة لحكومتهم السعيدة الموفقة.
وسجلت بعناية وفاة عدد قليل من الشهداء البارزين. ومنذ الوقت الذي تسلمت فيه المسيحية مقاليد السلطة العليا، لم يكن حكام الكنيسة أقل انشغالا وتيقظا إلى الكشف عن قسوة مخالفيها الوثنيين، منهم بالاقتداء بهم في سلوكهم. وسبيلنا في هذا الفصل هو أن نستخلص (اذا أمكن) قليلا من الحقائق الصحيحة والطريفة معا من الركام غير المستساغ من الروايات والقصص والأخطاء، وأن نسرد بشكل واضح معقول، اسباب الاضطهادات التي تعرض لها المسيحيون الأولون ومداها ومدتها وأهم ظروفها.
وإنه ليندر أن يكون أتباع الديانة المضطهدة، الذين يقض الخوف مضاجعهم، ويهيجهم الاستياء، وربما يلهيهم الحماس يندر أن يكونوا في مزاج عقلى سليم، يمكنهم من التنقيب الهاديء أو التقدير الصادق لبواعث أعدائهم، تلك البواعث التي كثيرا ما تغيب عن النظرات المتجردة الغامضة حتى لأولئك الذين يقفون في مأمن وبمنأى عن نيران الاضطهاد، وقد ذكر لسلوك الأباطرة إزاء المسيحيين الأولين، على وجه التحديد، سبب يبدو أنه أكثر تمويها وأقرب احتمالا، لأنه مشتق من عبقرية الشرك المعترف بها. فقد كان الملحوظ بالفعل أن الوئام الديني في العالم كان يعززه في الأساس القبول والاحترام الصريحان اللذان كانت تظهرهما الأمم القديمة كل منها نحو تقاليد الأخرى وطقوسها. ومن ثم كان من المتوقع أن تتحد كلها، بلا حرج ولا غضب ضد أية طائفة أو شعب ينزع نفسه عن جماعة الجنس البشرى، ويحتقر بالضرورة - بحكم ادعائه الملكية المطلقة للمعرفة الإلهية - أى لون من العبادة باعتباره ضلالا ووثنية، اللهم إلا عبادته هو فحسب.
وكانت المثابرة على رعاية حقوق التسامح متبادلة بنفس القدر. وكانت هذه الحقوق تضيع عند الامتناع عن دفع الجزية المعتادة. ولما كان اليهود وحدهم هم الذين امتنعوا بتاتا عن دفع هذه الجزية، فإن الباعث الذي حدا بحكام الرومان إلى المعاملة التي لقيها منهم اليهود قد يوضح إلى أي مدى تبرر الحقائق هذه التأملات، وتؤدى الى الكشف عن الأسباب الحقيقية لاضطهاد المسيحية
الاضمحلال ج ۱ - ۲۸۹
……….
وسوف نشير فقط، دون تكرار إلى ما أسلفنا بالفعل ذكره من احترام الملوك والحكام الرومان للهيكل في أورشليم، إلى أن تدمير الهيكل والمدينة، اقترنا، كما أعقبهما، بكل الظروف التي تغضب الفاتحين، ويتيح الاضطهاد الديني بأشد ذرائع العدالة الاجتماعية والأمن العام تمويها وخداما. فمنذ عهد نيرون حتى عهد أنطونينوس بيوس أظهر اليهود ضجرا جديدا بحكم روما، تجلى مرارا في أعنف المذابح والثورات. وإن العالم ليصعق لدى سماعه بأفظع أعمال القسوة الرهيبة التي ارتكبوها في مدن مصر وقبرص وبرقة، حيث عاشوا في صداقة غدارة خائنة مع المواطنين غير المرتابين. وإننا لنميل إلى امتداح القصاص الشديد الرادع الذي أنزلته فرق الجيش بهذا العنصر من المتعصبين الذين يبدو أن خرافتهم (عقيدتهم) الشريرة الغريرة جعلت منهم أعداء ألداء، لا للحكومة الرومانية وحدها، بل للجنس البشرى بأسره. وكان حماس اليهود يستند إلى الرأى القائل بأن دفع الضريبة لسيد وثنى أمر غير مشروع لديهم، وإلى الوعد الموهوم الذي استقوه من الوحي القديم الذي لديهم، بقرب ظهور المسيح الذي سيفتح العالم، ويحطم أغلالهم، ويخلع امبراطورية الأرض على أحباء السماء المقربين. وقد أعلن باركو كيباس الشهير نفسه مخلصهم الذي طال انتظارهم له، وأهاب بذرية إبراهيم أن يحققوا أمل إسرائيل، وبهذا جمع جيشا كبيرا تحدى به سلطان الإمبراطور هادريان لمدة عامين Barchochebas
ورغم الانتفاضات المتكررة، زال استياء الأمراء الرومان بعد انتصارهم، ولم تدم مخاوفهم لأكثر من فترة الحرب والخطر. وبفضل التسامح العام الذي تميز به مذهب الشرك، وبفضل الطبع الرقيق المعتدل الذي تميز به أنطونيوس بيوس أعيدت لليهود امتيازاتهم القديمة، ورخص لهم ثانية فى ختان أطفالهم، مع قيد بسيط واحد، وهو عدم إجراء هذه العملية المميزة للعبرانيين لأى مهتد أجنبي، وسمح للبقايا الكثيرة من هذا الشعب، رغم أنهم ظلوا بعيدين عن تخوم أورشلیم - بإنشاء المؤسسات الكبيرة أو الإحتفاظ بها في إيطاليا وفي الولايات، وبالحصول على حرية روما، وبالتمتع بمزايا المدينة، على أن يكون في نفس الوقت حق الإعفاء من مناصب المجتمع الثقيلة العبء الكثيرة النفقة، وهيأ اعتدال الرومان أو احتقارهم لهذه الطائفة سندا قانونيا لإنشاء نوع من الشرطة الملية (الكنسية) وحول الحاخام الذي اتخذ مقره في طبرية، سلطة تعيين القسس والحواريين التابعين له وأن يمارس القضاء المحلي، وأن يتلقى من إخوانه المبعثرين هنا وهناك
…..
إعانات سنوية. وكثيرا ما شيدت هياكل جديدة في المدن الرئيسية في الإمبراطورية، وأقيمت احتفالات مهيبة عامة في أيام السبت، أو لمناسبة الصوم، أو الأعياد التي نزلت بها شريعة موسى، أو أوصت بها تقاليد الاحبار. وهدأت هذه المعاملة الكريمة من طبع اليهود الحاد بطريقة غير ملحوظة، فلما أفاقوا من علم النبوءة والغزو، نهجوا منهج الرعايا المسالمين المجدين. أما كراهيتهم التي لا تهدأ للجنس البشرى، فإنها بدلا من أن تتقد في أعمال العنف والدم، استنفدت في أعمال أقل خطرا. ولكنها أعمال تشبع رغباتهم. وانتهزوا كل فرصة للتفوق على الوثنيين في التجارة، وصبوا اللعنات الخفية الغامضة على مملكة إيدوم Edom، أي الدولة الرومانية المتغطرسة.
وإذ تمتع اليهود الذين نبذوا في مقت واحتقار معبودات ملوكهم وأقرانهم من الرعايا، بالحرية في ممارسة ديانتهم الانعزالية غير الإجتماعية على أية حال، فلا بد أنه كان يوجد سبب آخر عرض تلاميذ المسيح لأعمال القسوة التي أعفيت منها ذرية إبراهيم. والفرق بينهما بسيط جلى، ولكنه كان وفقا لمقاييس الأقدمين أو مشاعرهم، على أعظم جانب من الأهمية، ذلك أن اليهود كانوا أمة، ولكن المسيحيين فرقة أو شيعة. واذا كان طبيعيا أن تحترم كل جماعة النظم المقدسة لجيرانها، فإنه كان لزاما عليهم أن يبقوا على ملة آبائهم. ولقد فرض صوت الوحي وتعاليم الفلسفة وسلطان القانون بالإجماع، هذا الالتزام الوطني. وربما أثار اليهود بادعائهم العريض تفوقهم في الطهارة والقداسة، حفيظة المشركين فاعتبروا اليهود جنسا كريها ممقوتا غیر نقي، وربما كان اليهود جديرين بهذا الاحتقار نتيجة ترفعهم عن الاتصال بالأمم الأخرى. وربما كانت قوانين موسى مستهترة أو عابثة، ولكن طالما تلقاها على مر الأجيال مجتمع كبير، فقد كان لأتباع موسى في بني الإنسان أسوة، وفيما أقروه عامة سند، يبرران حقهم في ممارسة ما قد يكون إجراما منهم أن يهملوه. ولكن هذا المبدأ الذي حمى كنيس اليهود لم يقدم للكنيسة في صدر المسيحية أية رعاية أو أمن. بل إن المسيحيين باعتناقهم رسالة الإنجيل جلبوا على أنفسهم الوزر المزعوم، وزر جريمة غير طبيعية لا تغتفر : إنهم حلوا روابط العرف والتعاليم المقدسة، وانتهكوا حرمة النظم الدينية في بلدهم، واحتقروا فى جرأة ووقاحة كل ما آمن به آباؤهم على أنه حق أو بجلوه على أنه مقدس. كما أن هذه الردة ( اذا جاز أن تستعمل هذه اللفظة) لم تكن جزئية أو محلية، لأن المرتد التقي الذي كان ينسحب من معابد مصر وسوريا كان يستنكف أن يلتمس ملجأ في معابد أثينا وقرطاجة
۲۹۱
………..
ونبذ كل مسيحي، في ازدراء، خرافات عشيرته ومدينته وولايته، ورفض جمهور المسيحيين عامة أي ارتباط بآلهة روما أو الإمبراطورية بل بمعبودات الجنس البشرى بأسره. وعبثا أكد المؤمن المغبون حقوق الضمير والرأى الخاص التي هي وقف على كل فرد. ومهما دعا موقفه الى الاشفاق، فان حججه لم تنفذ الى عقول الفلاسفة أو المؤمنين في دنيا الأوثان.
بل إن اعتناق بعض الأفراد للشكوك بدلا من الامتثال للون العبادة المقررة، لم يثر في عقولهم دهشة أقل منها فيما لو وقعت عيونهم فجأة على كراهية للعبادات والزي واللغة في وطنهم
وسرعان ما تحولت دهشة الوثنيين إلى سخط واستياء. وتعرض أتقى الناس للإتهام الجائر ولكن الخطير، أي الكفر والإلحاد. واجتمع الحقد والتعصب على تصوير المسيحيين على أنهم مجتمع من الكفار الذين استقوا - لهجومهم البالغ على الدستور الديني للإمبراطورية -أعنف سخط من الحكومة المدنية، فإنهم نأوا بأنفسهم (وكم طرب المسيحيون لهذا الاعتراف !) عن كل لون من ألوان الخرافة رحب به أي
فريق من أئمة الشرك في مختلف أقطار الأرض، كما أنه لم يتضح قط أی معبود وأية عبادة استبدلوها بمعبودات القدماء ومعابدهم. ولقد غابت الفكرة النقية السامية - فكرة الكائن الأعظم ـ عن الإدراك البليد لدى جمهور الوثنيين الذين حاروا في العثور على إله روحي أحد، لا يتمثل في صورة مجسمة أو رمز مرئي، ولا يعبد بالأبهة المعهودة في سكب الخمر والأعياد والمذابح والقرابين. أن حكماء اليونان وروما الذين سموا بعقولهم إلى مرتبة التأمل في الوجود وفي صفات الكائن الأول قد أغراهم إدراكهم السليم أو زهوهم بأن يحتفظوا لأنفسهم والصفوة من تلاميذهم بامتياز هذا النسك الفلسفي. وكانوا أبعد ما يكونون عن إقرار أهواء بني الإنسان على أنها مقياس الحقيقة، ولكنهم اعتبروها منبثقة عن النزعة الأصلية في الطبيعة البشرية، وذهبوا إلى أن أي لون مألوف من العقيدة أو العبادة، رغم التنصل من مساعدة الحواس، لا بد أنه، بنسبة ما يتنحى عن الخرافة سيجد نفسه عاجزا عن الحد من شطحات الخيال أو أشباح التعصب. أن النظرة الوانية المستهترة التي تفضل رجال العقل والعلم بالقائها على الوحي المسيحي لم تجد إلا فى توكيد رأيهم المتسرع واقناعهم بأن المبدأ الذي كان يمكن أن يحترموه، مبدأ وحدانية الله قد شوهته حماسة الطوائف الجديدة، وأطاحت به تأملاتهم الخيالية. وإنك لترى مؤلف الحوار المشهور، الذي نسب إلى لوشيان، حين يتظاهر بمعالجة موضوع التثليث الغامض في أسلوب من التسفيه والتحقير -- تراه
۲۹۲
…….
يفضح جهله بضعف الإدراك الإنساني، وبالطبيعة العويصة التي لا يمكن إدراك كنهها، طبيعة الكمال الإلهي.
وقد يبدو أقل إثارة للدهشة أنه يجب على تلاميذ مؤسس المسيحية ألا يوقروه بوصفه حكيما ونبيا فحسب، بل كذلك يعبدوه على أنه إله، وكان المشركون يميلون إلى اقتباس أي ركن من أركان العقيدة قد يحمل أى شبه، مهما كان بعيدا أو ناقصا، بالخرافات المألوفة أو بأساطير باخوس، وهرقل، واسكولابيوس Aesculapius هيأت خيالهم بشكل ما لظهور ابن الله فى صورة إنسان، ولكنهم تولاهم العجب من هجر المسيحيين لمعابد هؤلاء الأبطال القدامى الذين اخترعوا في بداية الدنيا الفنون وسنوا القوانين، وقهروا الطغاة والمردة الذين أزعجوا الأرض، من أجل أن يختاروا لهدفهم الوحيد المطلق للعبادة الدينية معلما مغمورا، وقع في سن مبكرة، وسط شعب متبرير، ضحية لضغن بني جلدته أو حقد الحكومة الرومانية الوثنيين الذين رأوا الاحتفاظ بمزايا الحياة الدنيا وحدها، رفضوا نعمة الحياة والخلود، تلك النعمة التي تفوق حق التقدير والتي وعد بها يسوع الناصري جميع البشر. ولم يكف ثباته الهاديء وسط الآلام الرهيبة الاختيارية، وبره العام الشامل وبساطته الرائعة في عمله وفي خلقه - لم يكف كل أولئك في نظر هؤلاء الرجال الدنيويين الماديين ليعوض عن افتقاده الشهرة والملك والنجاح، وبينما رفضوا الاعتراف بانتصاره الهائل على قوى الظلام وقوى الدمار، نراهم حرفوا، أو احتقروا، المولد المبهم للمنشىء الإلهى للمسيحية وحياته المتجولة، وميتته الشائنة.
ولقد بولغ إلى أقصى حدود المبالغة في الجرم الذي ارتكبه كل مسيحي في إيثاره عاطفته الخاصة على الديانة الوطنية، وجاءت هذه المبالغة نتيجة لتعدد المجرمين واتحادهم. ومن المعروف جيدا، وقد لحظ بالفعل، أن السياسة الرومانية كانت تنظر بأشد القلق والريبة الى أية رابطة تقوم وسط رعاياها، وكانت الامتيازات تمنح للهيئات الخاصة في أضيق الحدود، وفى تقتير شديد رغم أن الهيئات كانت ذات أهداف خيرة بعيدة عن الأذى والضرر. ولكن الجمعيات المسيحية التي انفصلت عن العبادة العامة الشائعة بدت ذات طبيعة أقل براءة. فقد كانت غير مشروعة من حيث المبدأ، وربما باتت خطيرة من حيث العواقب ولم ير الأباطرة أنهم انتهكوا حرمة قوانين العدالة حين حرموا - حرصا على سلامة المجتمع هذه الاجتماعات السرية والليلية أحيانا. لقد
۲۹۳
……
عکس تمرد المسيحيين التقي الورع على سلوكهم، أو ربما على خططهم، ضوءا بدا للناظرين منذرا بخطر أشد وإجرام أفدح.
وفي بعض الأحيان حاول الأمراء الرومان - الذين أجازوا لأنفسهم أن يلقوا سلاحهم، إذا ما رأوا الاستعداد للتسليم والانقياد، مقدرين أن شرفهم متعلق بتنفيذ أوامرهم - حاولوا بالعقوبات الرادعة أن يخضعوا هذه الروح الاستقلالية التي اعترفت في جرأة، بسلطان يسمو على سلطان الحاكم. وبدا أن اتساع مدى هذه المؤامرة الروحية واستطالة مدتها، جعلها يوما بعد يوم أحق بلومه وسخطه. ولقد رأينا بالفعل كيف أن غيرة المسيحيين الجادة الموفقة قد أدت إلى انتشارهم، بشكل غير ملحوظ، في كل ولاية، بل على الأغلب فى كل مدينة في الإمبراطورية .. وبدا أن المهتدين الجدد أنكروا عشيرتهم وبلدهم حتى يندمجوا في عصبة موحدة لا تنفصهم عراها، تشكل مجتمعا خاصا معينا اتخذ في كل مكان طابعا مغايرا لسائر البشر.
وادخل مظهرهم العبوس المتشدد، وعزوفهم عن الأعمال والمباهج المشتركة في الحياة، وتنبؤاتهم الكثيرة بالبلايا المحدقة كل أولئك، أدخل في روع الوثنيين توجس الخيفة من خطر ينجم عن هذه الطائفة الجديدة التي هي أشد إزعاجا كما أنها أشد غموضا وكما قال بليني «مهما يكن من أمر المبدأ الذي يحكم سلوكهم، فإن عنادهم الذي لا يلين ولا ينثنى بدا جديرا بالعقاب».
وأملى الخوف والضرورة، في البداية، تلك الاحتياطات التي لجأ إليها تلاميذ المسيح في إقامة شعائر دينهم، ولكنهم استمروا عليها طواعية واختيارا. وتوهم المسيحيون أنهم - باقتدائهم بالكتمان العجيب. الذي كان يحوط ( الأسرار الأليوسية الحاذقة << Eleusinian Mysteries ) احتفالات دينية كانت تقام في الربيع قديما بمدينة اليوسيس في اليونان قد يضفون على نظمهم المقدسة مزيدا من الاحترام في أعين العالم الوثني. ولكن هذا التصرف - كما يحدث غالبا في عمليات السياسة خدع أمانيهم وآمالهم. فقد استنتج أنهم إنما حجبوا فقط عن الأنظار كل ما كان يجدر أن تحمر وجوههم خجلا لإخفائه. فإن فطنتهم قد هيأت الفرصة للحقد أن يخترع، وللسذاجة المرتابة أن تصدق تلك القصص الشنيعة التي نعتت المسيحيين بأنهم أشر البرية، وأنهم كانوا في خلواتهم المظلمة يأتون من المنكرات ما يزينه لهم أحط الخيال، ويلتمسون رضا ا
إلههم المجهول عن طريق التضحية بكل فضيلة أخلاقية. وكان ثمة كثيرون ممن ادعوا الاعتراف بطقوس هذا المجتمع البغيض أو سرد إنبائها. فقيل على وجه التأكيد أن (طفلا حديث الولادة مغطى تماما بالدقيق، كان يعرض - وكأنه رمز روحاني للدخول
… .
٢٩٤
في الأخوية المسيحية - السكين المهتدى الجديد الذى يهوى به فيثخن على غير هدى الضحية البريئة لخطاياه بكثير من الجروح الخفية القاتلة، حتى إذا ما انتهى من ارتكاب هذا العمل القاسي، شرب المجتمعون الدم، ومزقوا الأوصال المرتعدة فى شره ونهم، وتعاهدوا على كتمان السر إلى الأبد، شاعرين شعورا متبادلا بالذنب. كما قيل بنفس القدر من التأكيد، أن هذه التضحية غير الإنسانية كان يعقبها حفل لائق تلعب الخمر فيه برءوسهم وتوقظ الشهوة البهيمية الجامحة بين ضلوعهم حتى اذا حانت اللحظة المقررة أطفئت الأنوار فجاة، وخلعوا عذار الحياء وتناسوا الطبيعة، واختلط الحابل بالنابل، ولوثوا سواد الليل بارتكاب أشنع الفواحش : الآخوة مع الأخوات. والأبناء مع الأمهات » (1)
ولكن قراءة الدفوع القديمة كانت كافية لإزالة حتى أتفه الشكوك من ذهن الخصم المنصف العادل. ومن ثم يعمد المسيحيون - في اطمئنان جرىء إلى براءتهم - إلى الاستعانة من ظلم الشائعات بإنصاف الحكام فيقررون أنهم يكونون جديرين بأشد العقاب إذا أقيم أي دليل على الجرائم التي ألصقتها بهم الوشايات. أنهم يتعجلون العقاب ويتحدون البيئة، وفى نفس الوقت يعترضون بشدة، وبنفس القدر من الصدق واللياقة، بأن الإتهام ليس أقل بعدا عن الاحتمال، منه تجردا من الحجة والبرهان، ويتساءلون عما إذا كان هناك من يصدق أن تعاليم الإنجيل النقية المقدسة التي غالبا ما تحد من التنعم بأكثر المتع مشروعية، تصرف الذهن إلى اقتراف أبغض الآثام، وأن مجتمعا كبيرا يعمد إلى تلطيخ شرفه في أعين أعضائه، وأن جمعا كبيرا من الجنسين من مختلف الأعمار والأخلاق، لا يتأثر بالخوف من الموت أو الفضيحة، فينتهك حرمة المبادىء التي نقشتها الطبيعة والتعليم في عقولهم مثل النقش في الحجر. وقد يبدو أنه ليس ثمة شيء يمكن أن يضعف من قوة أو من أثر مثل هذا التبرير الذى لا يستطاع نقضه، اللهم إلا السلوك الغرير لأولئك المدافعين الذين خانوا قضية الدين، ارضاء لبغضهم المروع لأعداء الكنيسة المحليين. وقيل تلميحا طفيفا تارة، وتوكيدا جريئا تارة أخرى - أن هذه الضحايا الدموية
۱۹۵
وهذه الأعياد الفاحشة، التي نسبت زورا وبهتانا إلى المؤمنين الأرثوذكس - كان يحتفل بها المركيونيون Marconites والكربكراتيون Carpocratians وغيرهم من شيع الغنوصيين (اللا أدريين) الذين كانوا لا يزالون يتأثرون بمشاعر المسيحيين، وتحكمهم تعاليم المسيحية، رغم أنهم ربما انزلقوا الى مهاوي الهرطقة. كما ألصق بالكنيسة إتهامات من مثل هذا النوع جماعة المنشقين الذين انفصلوا عنها، وقد اعترف فى جميع الأحوال بأن أشد السلوك فجورا كان يسود الأفواج الكبيرة التي تظاهرت باعتناق المسيحية. وربما سهل على الحاكم الوثني الذي لم يؤت فسحة من الوقت أو شيئا من القدرة على تبين الخط الطفيف غير المحسوس الذي يفصل بين الصراط المستقيم وبين الهرطقة - سهل عليه أن يتصور أن البغضاء المتبادلة بينهم هي التي أزاحت الستار عنوة عن جرائمهم المشتركة. وكان من حسن حظ المسيحيين الأولين من أجل طمأنينتهم، أو على الأقل سمعتهم - أن تصرف الحكام اتسم أحيانا بمزيد من اللياقة والاعتدال أكثر مما يتأتى مع الغيرة الدينية، وقالوا - كنتيجة متجردة غير متحيزة لتحرياتهم القانونية - أن الطوائف التي تخلت عن العبادة القائمة بدت. لهم مخلصة فى عقائدها، وأنه لا غبار على سلوكها، مهما تعرضت لمؤاخذة القانون بخرافتها المسرفة الحمقاء.
موقف الأباطرة من المسيحيين
