موقف الأباطرة من المسيحيين
إن التاريخ الذي يأخذ على عاتقه تسجيل أحداث الماضي لتكون عبرة وتوجيها للأجيال القادمة، لا يستحق شرف هذه المهمة، إذا تنازل لمدافع عن قضية الطغيان، أو برر منهج الاضطهاد. ومهما يكن من أمر امر، فإنه يجب الاعتراف بأن سلوك الأباطرة الذين بدا أنهم أظهروا أقل العطف على الكنيسة الأولى، ليس ، بأية حال من الأحوال، في مثل القدر من الإجرام الذي يتسم به سلوك الملوك الحديثين الذين استخدموا وسائل العنف والإرهاب ضد الآراء الدينية التي اعتنقها بعض رعاياهم وربما اكتسب ملك مثل شارل الخامس أو لويس الرابع عشر، بوحى من تأملاتهم أو من مشاعرهم الخاصة، معرفة صادقة بحقوق الضمير أو بالتزامات العقيدة، أو ببراءة الخطأ ولكن أمراء روما القديمة وحكامها كانوا غرباء على هذه المباديء التي ألهبت وعززت عناد المسيحيين الذى لا يلين، في قضية الحقيقة، كما أنهم هم أنفسهم لم يستطيعوا أن يتبينوا فى أعماق صدورهم أي باعث كان من
٢٩٦
الجائز أن يدفعهم الى رفض الخضوع المشروع، بل الطبيعي، للنظم المقدسة في بلادهم، وكان نفس السبب الذي يساهم في تخفيف جريمة اضطهاداتهم، لابد وانه أتجه إلى الحد منها. ولما كانوا يصدرون، لا عن غيرة المتعصبين العنيفة، بل عن سياسة المشرعين المعتدلة، فلابد أن العصيان كثيرا ما أرخى، وأن الروح الانسانية الطيبة غالبا ما عطلت تنفيذ تلك القوانين التي سنوها ضد أتباع المسيح الأذلاء المغمورين. وطبيعي أن نخلص من النظرة العامة الى أخلاقهم وبواعثهم إلى :
ا - أنه قد مضى زمن طويل قبل أن يتبينوا أن الطائفة الجديدة تستحق إهتمام الحكومة .
۲ - وأنهم فى إدانة أى من رعاياهم الذين اتهموا بمثل هذه الجريمة الشاذة، تصرفوا في حذر وعلى كره منهم
- وأنهم كانوا معتدلين في استخدام العقوبات
- وأن الكنيسة المنكوبة نعمت بفترات كثيرة من السلام والهدوء. وعلى الرغم من الاستهتار العقيم المهمل الذي عالج به أغزر الكتاب الوثنيين مادة، وكذا أدقهم في التفاصيل فى شئون المسيحيين، فإنه سيظل في مكنتنا أن نثبت كل واحد من هذه الفروض المحتملة بشواهد من الحقائق الصادقة الصحيحة
اقتضت حكمة العناية الالهية أن تسدل على طفولة الكنيسة الأولى حجابا غامضا، أفلح حتى اشتد عود العقيدة المسيحية وزاد عدد المسيحيين - في وقايتهم، لا من شر دنيا الوثنية فحسب، بل حتى مجرد معرفتها بهم فقد زود الإلغاء المتدرج المتأني للطقوس الموسوية أول الداخلين في شريعة الإنجيل بقناع آمن برىء، ولما كان معظمهم من عشيرة إبراهيم، فانهم تميزوا بتلك العلامة الخاصة وهي الختان، وقاموا بعباداتهم في معبد أورشليم حتى دمر تدميرا نهائيا، وتقبلوا الشريعة والرسل على أن الجميع تنزيل أصيل من عند الله. أما الأمميون المتحولون الذين كانوا قد ارتبطوا بأمل اسرائيل نتيجة اختيار روحى، فقد كان يصعب تمييزهم، وهم في زي اليهود ومظهرهم، ولما كان إهتمام المشركين بأركان العقيدة أقل من اهتمامهم بالمظاهر الخارجية للعبادة، فإن الطائفة الجديدة التي أخذت في عناية تامة، أو أعلنت إعلانا خافتا عن عظمتها وأطماعها المستقبلة، سمح لها أن تظلل نفسها بظل التسامح العام الذي كان ممنوحا لشعب قديم
۲۹۷
……
مشهور في الإمبراطورية الرومانية. وربما لم يمض وقت طويل قبل أن يدرك اليهود أنفسهم، وقد تملكتهم غيرة أشد ضراوة، وأثارهم إيمان أشد حقدا، أن إخوتهم النصارى ينفصلون تدريجيا عن عقيدة الكنيس اليهودي، وربما طاب لهم أن يطفئوا نيران هذه الهرطقة الخطيرة بدماء أتباعها! ولكن قضاء السماء أحبط كيدهم. ورغم أنهم عمدوا في بعض الأحيان إلى التمرد المفاجيء، فإنهم لم يعودوا يملكون زمام القضاء الجنائي، كما لم يكن من السهل عليهم أن ينفثوا في صدر الحاكم الروماني الهادىء سخائم غيرتهم وكراهيتهم. وأعلن حكام الولايات أنهم على استعداد للاستماع إلى أى إتهام من شأنه أن يضر بالسلامة العامة. ولكنهم حالما كانوا يعرفون أن المسألة مسألة كلام، لا حقائق، ونزاع حول تفسير شرائع اليهود ونبوءاتهم، كانوا يعتبرون أنه لا يليق بمكانة روما وعظمتها أن يبحثوا بحثا جديا في الخلافات الغامضة التي قد تنشأ بين شعب متبربر يؤمن بالخرافات. وكأني بالجهل والاحتقار كانا يحميان براءة المسيحيين الأولين. وكثيرا ما ثبت أن قضاء الحاكم الوثني كان خير عاصم لهم من غضب الكنيس اليهودي. ولو كنا نجنح حقا إلى تبني تقاليد القدامى السذج الأغرار، لسردنا الجولات النائية والمنجزات العجيبة التي قام بها الرسل أو الحواريون الإثنا عشر، والميتة المختلفة التي لقيها كل منهم، ولكن الاستقصاء الذي هو أكثر دقة قد يدفع بنا إلى الارتياب في أن واحدا من هؤلاء الأشخاص الذين كانوا شهودا على معجزات المسيح، قد أذن له فيما وراء حدود فلسطين أن يؤكد ببصمات من دمه صدق شهادته (۱). ومن الطبيعي أن نفترض، تبعا للأجل العادى لحياة الانسان، أنهم قضوا نحبهم قبل أن ينفجر سخط اليهود في تلك الحرب الضروس التي لم يضع لها حدا إلا تدمير أورشليم. فإننا طوال هذه الحقبة الطويلة التي انقضت بين موت المسيح وبين هذه الثورة المشهودة لن نستطيع أن نتبين أي آثار لتشدد الرومان أو عدم تسامحهم، اللهم إلا في هذا الاضطهاد المفاجيء العابر، ولكنه كذلك القاسي، الذي أذاقه نيرون للمسيحيين في العاصمة، بعد خمس وثلاثين سنة من سابقه، وقبل عامين من ثاني هذين الحدثين الجسيمين، وإن شخصية المؤرخ الفيلسوف الذي ندين له بالتعرف على هذا العمل الشاذ، لتكفى وحدها لتجعله أهلا لدراستنا الواعية
(۱) اقتصر شرف الاستشهاد في أيام ترتوليان وكليمنز السكندرى على القديس بطرس والقديس بولس والقديس يوحنا . وقد أسبغ هذا الشرف على بقية الرسل الإغريق الذين هم أحدث عهدا، والذين اختاروا فطنة وحرصا منهم، بلدا نائيا عن حدود الإمبراطورية الرومانية ليكون مسرحا لوعظهم وآلامهم
۲۹۸
…….
ففى السنة العاشرة من حكم نيرون أصيبت العاصمة بحريق اندلع في شدة لم يعرف لها في العصور الخوالي نظير أو مثال. ولم تنج من الدمار الشامل آثار من اليونان وقوة الرومان والانصاب التذكارية الحروب البلوبونيز والغال، وأقدس المعابد، وأفخم القصور. ومن الأحياء الأربعة عشر التي كانت تضمها روما، سلم أربعة فقط، ومحى منها ثلاثة محوا تاما أما الأحياء السبعة الباقية التي تلفت في سعير النيران، فقد كشفت عن منظر مفجع حزين للخراب والوحشة ولا يبدو أن يقظة الحكومة لم تغفل اتخاذ أية احتياطات لتخفف من أثر هذه الكارثة الرهيبة ففتحت الحدائق الإمبراطورية أبوابها للجموع المنكوبة، وشيدت بعض المباني المؤقتة لإيوائهم، ووزعت كميات كبيرة من القمح والمؤن بأسعار معتدلة. وبدا أن أكرم سياسة قد أملت القوانين التي حددت فتح الشوارع واقامة المساكن الخاصة وكما يحدث عادة في أيام الرخاء - وانتج حريق روما في بضع سنين قلائل ، مدينة جديدة، أدق نظاما وأوفر جمالا من سابقتها. ولكن كل الفطنة والروح الإنسانية اللتين تظاهر بهما نيرون لم تنقذه من شكوك الشعب، فإن أية جريمة يمكن أن تلصق بقائل زوجته وأمه، كما يستحيل الظن بأن الأمير الذي أساء إلى شخصه وإلى مكانته يعجز عن ارتكاب أشنع الخطايا. واتهمت الإشاعات الإمبراطور بإحراق عاصمته عمدا، ولما كانت أبعد القصص عن التصديق هي التي تلتئم أكثر ما يكون الالتئام مع عبقرية الشعب في سورة غضبه، فقد ذكر في أسلوب جاد لا هزر فيه كما ساد الإعتقاد الجازم الراسخ، بأن نيرون الطروب للكارثة التي أحدثها، تسلى على قيتارته بأنشودة تدمير طروادة القديمة. وصمم الإمبراطور على إلصاق التهمة ببعض المجرمين الوهميين ليحول عن شخصه الشبهة التي عجزت قوة الاستبداد عن القضاء عليها. ويتابع تاسيتس حديثة فيقول : (وعلى هذا الأساس أنزل (نيرون ) أشد ألوان العذاب بهؤلاء الرجال الذين كانوا - تحت اسم المسيحية القبيح (في رأى نيرون) قد وصموا فعلا بأشنع العار، فقد اشتقوا اسمهم ونشأتهم من المسيح الذى لقى حتفه في عهد تيبريوس، على يد نائب الحاكم بيلاطس البنطى. وأخمدت هذه الخرافة المروعة لفترة قصيرة، ولكنها ما لبثت أن انتشرت وذاعت، لا في أرض الميعاد وحدها، وهى الموطن الأول لهذه الطائفة الشريرة، بل كذلك وصلت إلى روما، وهى الملاذ العام الذي يتلقى ويحمى كل ما هو ملوث مهما كان تلوثه، وكل شيء فظيع مهما بلغت فظاعته. وكشفت اعترافات المقبوض عليهم عن شركاء كثيرين لهم، وادينوا جميعا، بتهمة كراهيتهم للجنس البشرى، أكثر منهم بتهمة إشعال
….
النار في المدينة. وعذبوا حتى ماتوا، وزاد السباب والسخرية من مرارة التعذيب. ودق بعضهم بالمسامير على الصلبان، وخيط آخرون في جلود الحيوانات المتوحشة، وتركوا لنهم الكلاب، وصب على بعضهم مواد محرقة، وأوقدت فيهم النار، واستخدموا كمشاعل تضيء حلكة الليل. وخصصت حدائق نيرون للمشهد الحزين الذي صحبه سباق للخيل، والذي شرف بحضور الإمبراطور الذي اختلط بالشعب في زي وهيئة قائد عجلة حربية. واستحقت جريرة المسيحيين في الواقع أقسى عقاب يكون فيه عبرة لغيرهم، ولكن المقت العام تحول إلى اشفاق، استنادا إلى أن التضحية بهؤلاء الأشقياء التعساء لم تكن من أجل المصلحة العامة قدر ما كانت لقسوة الطاغية الحقود ». وقد يلحظ كل الذين يستعرضون ثورات الجنس البشري بنظرات فاحصة مدققة أن حدائق وملعب نيرون في الفاتيكان، تلك التي لطخت بدم المسيحيين الأولين قد ازدادت شهرتها بانتصار الديانة المضطهدة، وبسوء استغلالها، ففى نفس البقعة، ومن ذاك العهد، أقيم معبد يفوق الروعة القديمة للكابيتول بكثير، أقامه أحبار المسيحية الذين استمدوا دعوى ملكية العالم من صائد السمك المتواضع في «الجليل»، فاعتلوا عرش القياصرة، وسنوا القوانين لغزاة روما المتبربرين، وبسطوا
ولايتهم من ساحة البلطيق إلى شواطىء المحيط الهادي
وقد لا يكون من اللائق أن نترك اضطهاد نيرون دون إبداء بعض ملاحظات قد تكون مفيدة في تذليل بعض المشاكل التي اقترنت به، والقاء بعض الضوء على التاريخ اللاحق للكنيسة.
( 1 ) أن أكثر النقاد تشككا مضطر إلى احترام صدق هذه الحقيقة الشاذة، ونزاهة هذه القطعة المشهورة التي كتبها تاسيتس. أما الحقيقة فقد أكدها سويتونيوس Suetonius اليقظ الدقيق الذي أورد ذكر العقوبة التي أنزلها نيرون بالمسيحيين، وهم طائفة من الناس اعتنقوا خرافة (عقيدة) جديدة آثمة.
أما النزاهة فقد تثبتها مطابقة الحقيقة لأقدم المحفوظات، والخاصية الفريدة المنقطعة النظير لأسلوب تاسيتس وسمعته التي حصنت كتاباته ضد دس الاحتيال الورع، وفحوى روايته التي اتهمت المسيحيين الأولين بأبشع الجرائم دون الإيعاز بأنه كانت لهم قوى معجزة أو حتى سحرية تفوقوا بها على سائر البشر
( ب ) ورغم أنه يحتمل أن يكون تاسيتس قد ولد قبل حريق روما ببضع سنوات قلائل، فإنه كان من الميسور له من قراءاته واحاديثه
٣٠٠
……….
أن يستقي معلوماته عن حادث وقع في طفولته. وكان قبل أن يظهر للناس ويذيع صيته بينهم، قد انتظر في هدوء وسكون حتى بلغت عبقريته ذروة النضج، وكان قد جاوز الأربعين من عمره حين أنصت مع التقدير والامتنان لذكريات أجريكولا الفاضل، وانتزع منه أولى البواكير التاريخية في مؤلفاته التي قد تطيب لأبعد الأعقاب والذراري مطالعتها، والتي تثقف هؤلاء الأعقاب والذراري وبعد أن امتحن قوته وقدرته في تدوين حياة أجريكولا، وفي وصف ألمانيا، فكر في النهاية في إنجاز عمل أكثر مشقة، هو تاريخ روما في ثلاثين جزءا، من سقوط نيرون إلى اعتلاء نرفا العرش. وبدأ بحكم نرفا عصر من العدالة والازدهار، خصصه تاسیتس ليكون شغله الشاغل أيام شيخوخته : ولكنه لما دقق النظر في موضوعه - وربما ارتأى أن تسجيل مساوئ الطغاة السابقين مهمة أكثر شرفا وأقل إثارة للحسد والبغضاء من تمجيد فضائل الملك الحاكم - اختار أن يسرد على هيئة حوليات أعمال الخلفاء الأربعة المباشرين لأوغسطس.
وكان جمع سلسلة تغطى ثمانين عاما وتبويبها وتدبيجها فى مؤلف خالد، تنوء كل عبارة فيه بأعمق الملاحظات وأروع الصور - كل أولئك كان عبئا كافيا لاستنفاد عبقرية تاسيتس نفسه في الجزء الأكبر من حياته. وفى أخريات حكم تراجان حين بسط الملك الظاهر سلطان روما فيما وراء حدودها القديمة، كان المؤرخ يصف طغيان تيبيريوس في الكتابين الثاني والرابع من حولياته، ولا بد أن الإمبراطور هادريان كان قد تبوأ العرش قبل أن يتمكن تاسيتس - فى المدى الطبيعي لإنجاز عمله - من رواية حريق العاصمة وقسوة نيرون ضد المسيحيين التعساء. وكان من واجب كاتب الحوليات، وقد مضى على حادث الحريق ستون عاما أن يقتبس رواية المعاصرين، ولكن كان من الطبيعي أن ينصرف الفيلسوف إلى وصفه نشأة الطائفة الجديدة وتقدمها وأخلاقها، على ألا يستند إلى معلومات عصر نیرون وما ساده من آراء متحيزة، قدر استناده إلى عصر هادریان
( جـ ) وكثيرا ما يترك تاسيتس لفضول قرائه أو تأملهم، مهمة استيفاء الظروف أو الأفكار الوسيطة أو المتداخلة التي ارتأى هو في ايجازه المخل أنه من الأليق كتمانها. ومن ثم قد نجتريء من تصور سببا محتملا لقساوة نيرون ضد المسيحيين في روما، الذين كان ينبغي أن يكون لهم من غموضهم وبراءتهم سياج يحميهم من سخطه، بل من علمه بوجودهم. على حين كان اليهود، وهم كثرة في العاصمة، وهم يقاسون الظلم ألوانا في بلدهم، أكثر أهلية لأن يكونوا هدفا لشكوك
٣٠١
……
الإمبراطور والشعب، كما أنه لم يكن من غير المتوقع لأمة مقهورة اكتشفت بالفعل مقتها للنير الروماني، أن تعمد إلى أبشع الوسائل لإرضاء شهوة الانتقام المتقدة في قلوبهم. ولكن اليهود كانوا يملكون ناصية دفاع قوى جدا في القصر، بل حتى في قلب الطاغية، أعنى زوجته ومحظيته، بوبيا Poppea الجميلة، ولاعب أثير من قوم إبراهيم، استخدما بالفعل شفاعتهما لمصلحة الشعب الكريه. وكان لزاما أن تقدم بدلا من هذا الشعب أية ضحايا أخرى. وكان من أيسر اليسير أن يقال - رغم براءة الأتباع الأصلاء لشريعة موسى من وزر حريق روما إنه قد ظهرت بينهم طائفة جديدة خبيثة من أبناء الجليل، فئة قادرة على اقتراف أبشع الجرائم. واختلط تحت اسم الجليليين طائفتان متميزتان من الناس، تختلف الواحدة منهما عن الأخرى كل الاختلاف في سلوكها ومبادئها : التلاميذ الذين اعتنقوا عقيدة يسوع الناصري والمتعصبون الذين اتبعوا مذهب يهوذا الجليلي، وكان الأولون أصدقاء الجنس البشرى، والآخرون أعداءه. ويتركز الشبه الوحيد بينهما في الجلد الذي لا ينثني، الذي جعلهم لا يتأثرون بالموت أو التعذيب في دفاعهم عن قضيتهم. ولم يلبث أتباع يهوذا الذين حركوا بني جلدتهم إلى التمرد والعصيان - لم يلبثوا أن دفنوا تحت أنقاض أورشليم، بينما انتشر أتباع يسوع الذين عرفوا بالاسم الأكثر شهرة : المسيحيون في مختلف أرجاء الإمبراطورية.
فكم كان طبيعيا أن ينسب تاسيتس، في عصر هادريان، إلى المسيحيين جرائم وآلاما كان يمكن أن يلصقها، بدرجة أكبر من الصدق والعدل، بطائفة كادت أن تخبو ذكراها المقيتة ! .
( د ) ومهما كان الرأى فى هذا الحدس والتخمين (لأنه لا يعدو أن يكون كذلك) فمن الواضح أن أثر اضطهاد نيرون، مثله في ذلك مثل سببه - لم يتعد جدران روما، وأن عقيدة الجليليين أو المسيحيين لم تتخذ قط موضوعا للعقاب أو حتى للتحقيق، وأنه، لما كانت فكرة آلامهم قد ارتبطت لفترة طويلة بفكرة القساوة والجور، فإن اعتدال الأمراء المتعاقبين حدا بهم إلى الإبقاء على طائفة عانت من ظلم طاغية اتجه حنقه عادة ضد الفضيلة والبراءة.
وقد يكون من الغريب، إلى حد ما، أن نيران الحرب التهمت، في نفس الوقت تقريبا هيكل أورشليم وكابيتول روما، ولا يبدو أقل غرابة أن الجزية أو الإتاوة التي كان الحماس الديني قد خصصها الأول حولتها قوة فاتح منتصر لإعادة بناء الثاني وتنميقه. فقد فرض الأباطرة
٣٠٢
……..
ضريبة رأس عامة على الشعب اليهودي، ورغم أن المبلغ المفروض على الرأس كان تافها، فإن وجه إنفاقه والصرامة في جمعه، اعتبرتا حيفا لا يحتمل. ولما جاوز مأمورو الدخل الحد وطالبوا بغير حق كثيراً من الأشخاص الغرباء على الدم اليهودى والديانة اليهودية، كان من المستحيل على المسيحيين، وهم الذين كثيرا ما استظلوا بظل الكنيس أن ينجوا بأنفسهم من الاضطهاد الوحشي الجشع.
وكان حرصهم شديدا على اجتناب أية شبهة وثنية، فأبت عليهم ضمائرهم أن يسهموا في تكريم ذلك الشيطان الذي تقمص شخصية جوبيتر في الكابيتولين ولما كانت فئة كبيرة، ولو إنها في طريق الاضمحلال، بين المسيحيين، ظلت ملتزمة بشريعة موسى، فإن جهودهم في ستر منبتهم اليهودي قد فضحها الإختبار الحاسم، ألا وهو الختان، على حين لم يكن لدى الحكام الرومان فسحة من الوقت لاستقصاء أوجه الخلاف بين مبادئهم الدينية. ومن بين المسيحيين الذين جيء بهم أمام الإمبراطور أو على الأصح محكمة الحاكم في أرض الميعاد ، وجد إثنان قيل أنهما فيما يبدو - يتميزان بكرم المحتد، وأنهما يفوقان بحق أعظم الأباطرة شرفا ونبلا. وكان هذان الشخصان حفيدى القديس يهوذا الرسول، من أشياع يسوع المسيح (وهو غير يهوذا الأسخريوطي) . وربما جذبت دعواهم الطبيعية بحقهم فى عرش داود احترام الشعب، وأثارت حقد الحاكم، ولكن وضاعة ملابسهم، وبساطة إجاباتهم اقنعتاه في الحال بأنهما لا يرغبان بل ولا يستطيعان، تكدير صفو الهدوء في الإمبراطورية الرومانية، وقد اعترفا صراحة بأصلهما الملكي، وبقرابتهما القريبة للمسيح، ولكنهما تنصلا من أية مطامع دنيوية، كما قررا أن ملكوته الذي ارتقباه في لهفة، إنما هو من طبيعة روحية ملائكية خالصة فلما سئلا عن ثروتهما ومهنتهما، كشفا عن أيديهما التي اخشوشنت بفعل كدحهما اليومى، وأعلنا أنهما يكسبان قوتهما من فلح مزرعة قرب كوكبه Cocaba، تبلغ مساحتها أربعة وعشرين فدانا إنجليزيا، وتبلغ قيمتها تسعة آلاف درهم (ثلثمائة جنيه إسترليني) ومن ثم أخرج حفيدا القديس يهوذا مشيعين بالإشفاق والازدراء..
ولكن، على الرغم من أن وضاعة آل داود، ربما جاز أن تحميهم من شكوك الطاغية، فإن عظمة أسرته الحالية أزعجت مزاج دوميتيان الجبان، الذي لم يهدىء من روعه إلا دم أولئك الرومان الذين شافهم أو كرههم أو احترمهم. فسرعان ما أخذ أكبر إبني عمه فلافيوس سابينوس بتهمة الخيانة، أما أصغرهما، وكان اسمه فلافيوس كليمز فقد كان مدينا بسلامته إلى افتقاره الشجاعة والمقدرة. واختص
…. .
۲۰۳
الإمبراطور لفترة طويلة بحبه وحمايته ابن عمومته هذا الذي لا يقدم على آية إساءة أو أذى، وخلع عليه ابنة أخيه ، وكان اسمها دوميتللا وتبنى الأطفال الذين أثمرهم هذا الزواج، على أمل أن يخلفوه على العرش، ومنح أباهم مرتبة القنصل، ولكنه لم يكد ينهى فترة حكمه، ومدتها عام، حتى أدين لادعاء تافه وأعدم .
ونفيت دوميتللا إلى جزيرة مقفرة على ساحل كمبانيا وصدرت الأحكام بالإعدام أو مصادرة الأموال على عدد كبير من الأشخاص الذين اشتركوا في نفس التهمة، أما الجريمة التي نسبت إليهم فهى الإلحاد والتشبه بأخلاق اليهود، وهو ترابط فريد لا يمكن تطبيقه بحال من الأحوال إلا على المسيحيين، حيث كان الحكام والكتاب في ذلك الزمان يرونهم بشكل غامض معيب. وبمقتضى قوة هذا التفسير المحتمل، وتلهفا على التسليم بأن شكوك الطاغية تعتبر شاهدا على ذنبها المشرف، وضعت الكنيسة كلا من كليمنز ودوميتللا في عداد شهدائها الأوائل، ودمغت قساوة دوميتيان باسم الاضطهاد الثاني . ولكن هذا الاضطهاد (إذا استحق أن نسميه اضطهادا) لم تطل مدته ذلك أنه بعد بضعة أشهر من موت كليمنز ونفي دوميتللا، أعدم ستيفن وهو رجل معتق، كان من خدم الأخيرة، حظى بعطفها، ولم يكن من المحقق أنه اعتنق عقيدة محظيته، أعدم الإمبراطور في قصره. وأدان السناتو ذكرى دوميتيان، وأبطلت قوانينه، وأعيد من نفاهم. وفي ظل الإدارة الوادعة على عهد نرفا، بينما نرى الأبرياء قد استعادوا مراكزهم وثرواتهم، نجد أن أكبر المجرمين قد حصلوا على العفو أو هربوا من العقاب
- وبعد ذلك بنحو عشرة أعوام، في عهد تراجان، عهد الصديق والسيد، إلى بلينى الصغير، بحكم بيثينيا وبنطس، وسرعان ما وقع الحاكم في حيرة من أمره : أية قاعدة من قواعد العدل أو القانون يتخذها أساسا لسلوكه في ممارسة مهام وظيفة هي أبغض ما تكون إلى روحه الإنسانية. ولم يكن بليني قد اشترك قط في إجراءات قضائية ضد المسيحيين الذين يبدو أنه لم يعرف عنهم إلا مجرد اسمهم، ولم يصل إلى علمه شيء عن طبيعة جريمتهم، وأسلوب اتهامهم، ودرجة عقوبتهم. وعاد، في غمرة هذه الحيرة، إلى مألوف طريقته، وهي أن يرفع إلى حكمة تراجان بيانا نزيها متجردا، ومن بعض الوجوه لطيفا، عن الخرافة (العقيدة الجديدة)، ملتمسا من الإمبراطور أن يتفضل فيبدد شكوكه أو يجبر جهله، لقد قضى بليني حياته في طلب العلم والانشغال بأمور الدنيا، فقد ترافع بامتياز منذ سن التاسعة عشرة في محاكم روما،
٢٠٤
………..
وشغل مقعدا فى السناتو، وتقلد منصب القنصل، وكون علاقات كثيرة مع كل طبقات الناس في إيطاليا وفي الولايات ومن ثم يمكن أن نستخلص من جهله بعض المعلومات المفيدة. فيمكن أن نوقن بأنه عندما قبل حكومة بيثنيا، لم تكن هناك قوانين أو مراسيم عامة من السناتو، نافذة المفعول ضد المسيحيين، وأنه لا تراجان، ولا أحد من أسلافه الأفاضل ممن كانت أوامرهم العالية تصدر فيما يتعلق بالقضاءين المدني والجنائي - أعلن بصراحة عن اتجاهاتهم أو مقاصدهم فيما يتعلق بالطائفة الجديدة، وأنه مهما كان من إجراءات إتخذت ضد المسيحيين، فإنه لم يكن من بين هذه الإجراءات شيء ذو قيمة وقوة يصلح معهما ليشكل سابقة توجه سلوك أى حاكم روماني.
ويكشف جواب تراجان، ذلك الجواب الذي كثيرا ما لجأ اليه المسيحيون في العصر التالي له يكشف عن احترام كبير للعدالة والإنسانية، مما تمكن الملاءمة بينه وبين أفكاره الخاطئة عن السياسة الدينية. وبدلا من الكشف عن الغيرة الشديدة التي لا تنثني من محقق» متلهف على استيضاح أدق تفاصيل الهرطقة، نرى الإمبراطور يعبر عن رغبة وقلق من أجل حماية أمن الأبرياء أشد كثيرا منه للحيلولة دون افلات المجرمين. وإنه ليعترف بالصعوبة في تحديد خطة عامة، ولكنه يضع قاعدتين مفيدتين غالبا ما كان فيهما غوث وتدعيم للمسيحيين المنكوبين. فإنه رغم توجيهاته إلى الحكم بأن يعاقبوا الأشخاص الذين أدينوا قانونا، يحرم عليهم، في تناقض رحيم جدا، التحقيق مع المجرمين المشتبه فيهم، كما انه لم يكن مرخصا للحكام في أن يتخذوا إجراء بشأن كل بلاغ أو اخبارية تصل إليهم، كما أن الإمبراطور يرفض الاتهامات الغفل من الأسماء باعتبارها منافية لمبادىء الإنصاف في حكومته، ويطالب بشدة وفي إصرار، لإدانة من تلصق بهم تهمة المسيحية، بدليل إيجابي من مدع عادل يعلن عن اسمه. ومن المحتمل كذلك أن هؤلاء الأشخاص الذين تولوا هذه المهمة المثيرة البغضاء، كانوا ملزمين بالإفصاح عن أسس شكوكهم، وتفصيل (زمان ومكان) هذه الجمعيات السرية التي تردد عليها اعداؤهم المسيحيون : وإماطة اللثام عن الظروف التي أخفيت بمنتهى الحقد الحذر عن أمين الكفار المدنسين، فاذا أفلحوا (أي المخبرين) في رفع الدعوى، تعرضوا لسخط فئة كبيرة من الناس، ولوم الفئة التي هي أكثر تحررا والمقت الذي يلام شخصية المخبر أو المبلغ في كل زمان ومكان. وعلى النقيض من ذلك، إذا أخفقا في إقامة الأدلة جلبوا على أنفسهم عقوبة صارمة، وربما كانت عقوبة الإعدام، التي كانت تنزل - طبقا لقانون
الاضمحلال جـ ١ - ٣٠٥
……
أصدره هادريان - بأي شخص ينسب زورا وبهتانا جريمة المسيحية إلى زملائه المواطنين. وربما طغى عنف الضغائن الشخصية أو الخرافية (العقائدية) على أشد الخوف الطبيعي من العار أو الخطر. ولكن لا يمكن على التحقيق أن يتصور أن الرعايا الوثنيين في الإمبراطورية الرومانية عمدوا، في قليل أو كثير، إلى هذه الإتهامات التي لا يبدو أنها تبشر بالخير.
إن الوسيلة التي استخدموها للإفلات من حصانة القانون، لتقدم دليلا كافيا على مدى الفعالية التي أحبطوا بها كل الخطط الشريرة المنبعثة من الحقد الشخصي أو الغيرة الخرافية، وإن روادع الخوف والعار المفروضة قسرا على الأفراد في الجماعة الكبيرة الصاخبة لتفقد الجزء الأكبر من تأثيرها.
وترقب المسيحى التقي الذي رغب في الحصول على شرف الاستشهاد أو في الافلات منه - ترقب وقد نفد صبره أو تملكه الرعب - الموعد المحدد لعودة الألعاب والأعياد العامة، وكان سكان المدن الكبرى في الإمبراطورية، في مثل هذه المناسبات، يتجمعون في الملعب أو المسرح حيث كان كل مشهد من مشاهد المكان أن الاحتفال يساعد على إذكاء روح النسك والتعبد أو إخماد الروح الإنسانية فيهم، وبينما أسلم جمهور النظارة - وهم يضعون أكاليل الغار على رءوسهم وقد تطليبوا بالبخور، وتطهروا بدم القرابين، تحيط بهم مذابح وتماثيل معبوداتهم الحارسة - بينما أسلموا أنفسهم للتمتع بهذه المسرات التي اعتبروها جزءا أساسيا من عبادتهم، تذكروا أن المسيحيين وحدهم مقتوا آلهة بني الإنسان، وأنهم بتخلفهم عن حضور هذه الاحتفالات المهيبة، أو شعورهم بالحزن اذا شهدوها، بدوا وكأنهم يسيئون إلى الابتهاج العام أو يرثون له. وإذا ألمت بالامبراطورية أية كارثة حديثة : طاعون، مجاعة، حرب غير موفقة، أو إذا فاضت مياه التيبر على جوانبه، أو لم يأت فيضان النيل، أو زلزلت الأرض أو اختل النظام اللطيف في تعاقب الفصول - إذا حدث شيء من ذلك، اقتنع الوثنيون المؤمنون بالخرافات بأن كفر وجرائم المسيحيين الذين أبقى عليهم أفراد الحكومة في الرفق واللين، هي التي استفزت العدالة الإلهية آخر الأمر. وما كانت أساليب الإجراءات القانونية لتراعى وسط جمهور فاجر غاضب، وما كان صوت الإشفاق والرحمة ليسمع فى مدرج ملطخ بدماء الحيوانات الكاسرة والمجالدين ولكن صيحات الجمهور الجزوع توعدت المسيحيين بأنهم أعداء الآلهة والناس، وقضت عليهم بأشد العذاب، وبلغت بهم الجرأة إلى توجيه الإتهام بالاسم إلى نفر من ألمع أفراد الطائفة الجديدة، وطالبوا،
…….
٣٠٦
في سورة غضبهم الذي لا يقاوم بالقبض عليهم والقائهم إلى السباع ... وكان حكام الولايات الذين تصدروا الاحتفالات العامة يميلون عادة إلى إرضاء نزعات الشعب وتهدئة خواطره، بتقديم بعض الضحايا البغيضة، ولكن حكمة الأباطرة عصمت الكنيسة شر هذه الهتافات الصاخبة والإتهامات الشاذة التي عابوا عليها بحق أنها منافية لقواعد الحزم ولمبادىء الإنصاف في حكمهم ونصت مراسيم هادریان وأنطونينوس بيوس على أن صوت الجماهير لا يجوز أن يسلم به كدليل قانوني لإدانة أو عقاب أولئك الأشخاص التعساء الذين اعتنقوا العقيدة المسيحية
- ولم تكن العقوبة هي النتيجة المحتومة للإدانة، ذلك أن المسيحيين الذين ثبتت جرائمهم ثبوتا قاطعا بشهادة الشهود. أو حتى باعترافهم الاختياري، ظل في مكنتهم هم أنفسهم أن يستبدلوا الحياة بالموت، فإن الجرم السابق لم يكن يثير سخط الحاكم، قدر ما تثيره المقاومة الفعلية، فقد أيقن أنه إنما قدم لهم عفوا ميسورا، حيث أنهم إذا ارتضوا وضع بعض حبات البخور على المذبح - كانوا يغادرون ساحة المحكمة في أمان واستحسان فقد قدر أن من واجب القاضي الرحيم أن يصلح ويهذب أكثر من أن يعاقب ويعذب هؤلاء المتحمسين المخدوعين. وكان يبدل من نبرات صوته، تبعا لأعمار السجناء أو جنسهم (ذكر أو أنثى) ومراكزهم، وغالبا ما يتلطف معهم، فيبسط أمام أعينهم كل ما يمكن أن يجعل الحياة أكثر متعة ومسرة، أو يجعل الموت أكثر فزعا ورهبة، ويطلب منهم، لا بل يتوسل إليهم، أن يستشعروا شيئا من الرحمة بأنفسهم وبأسراتهم، وبأصدقائهم، فإذا لم تجيد التهديدات والمغريات نفعا عاد إلى استعمال العنف، وأتى بالسوط والمخلعة (أداة استعملت للتعذيب قديما) ليعوضا عن عجز الجدل والمناقشة، واستخدمت كل ألوان القسوة لإخضاع هذا العناد الذي لا يلين، أو كما بدا للوثنيين العناد الإجرامي. وعاب المدافعون القدامي عن المسيحية، بنفس القدر من الصدق والعنف. على مضطهديهم سلوكهم الشاذ، الذي أقر التعذيب خلافا لكل مبادىء العدالة والإجراءات القضائية، لا من أجل الحصول على اعتراف من يحققون معهم، بل لحملهم على إنكار الجريمة موضوع التحقيق، وكثيرا ما ابتدع رهبان العصور اللاحقة الذين تساوا في خلواتهم الهادئة بتعداد وفيات وآلام الشهداء الأوائل - ابتدعوا صنوفا من العذاب أكثر تهذيبا وبراعة. وجدير بالذكر أنه قد طاب لهم أن تذهب بهم الظنون إلى أن غيرة الحكام الرومان، استخفافا منهم بكل فضيلة أخلاقية
…..
وبآداب اللياقة العامة، حاولوا أن يفسقوا بمن أخفقوا في إخضاعهم، وأنهم أمروا بممارسة أشد ألوان التعذيب مع من استحال عليهم أن يدلوا منهم شيئا من ذلك، ويروى أن النسوة الفاتنات اللاتي تهيأن لاستعذاب الموت، تعرضن أحيانا لامتحان أشد وأنكى، حيث كان يطلب إليهن أن يحددن أيهما أكبر عندهن قيمة : دينهن أم عفتهن. وحرض القاضي أيما تحريض أولئك الشباب الذين أسلم هؤلاء النسوة لأحضانهم الفاجرة، على بذل أقصى الجهد للانتقام لمجد فينوس (ربة العشق والجمال عند اليونان) رغم أنف هؤلاء العذاري الملحدات اللائي رفضن إحراق البخور فى مذبحها. ولكن غالبا ما أحبط عنف هؤلاء الشباب، على أية حال، حيث تدخلت في الوقت المناسب قوة خارقة معجزة فعصمت فتيات المسيح الطاهرات العفيفات من العار، حتى ولو أكرهن على الاستسلام إكراها. ولكن يجدر بنا في الواقع ألا نغفل الإشارة إلى أن أقدم وأصدق سجلات الكنيسة قل أن تلوثت بمثل هذه الأقاصيص المسرفة الشائنة (1)
ودعا إلى هذا الإغراق في إغفال الحقيقة، وترجيح وقوع هذه الإستشهادات الأولى خطأ طبيعى جدا. ذلك أن كتاب الكنيسة في القرنين الرابع والخامس نسبوا إلى حكام روما نفس القدر من الغيرة الطاغية التي لا تلين ولا تنثنى، والتي أوغرت صدورهم ضد الهراطقة أو الوثنيين في أيامهم. وليس بمستبعد أن يكون بعض هؤلاء الأشخاص الذين تبوأوا مناصب الإمبراطورية قد أشربوا تعصب الشعب، وأن تكون النزعة إلى القسوة قد استثارها في آخرين بواعث الجشع أو الاستياء الشخصي (۲). ولكنه من المحقق - ويمكن الرجوع في هذا الى اعترافات المسيحيين الأولين التي تفيض بالشكر - أن الأغلبية العظمى من هؤلاء الحكام الذين مارسوا في الولايات سلطة الأباطرة أو سلطة السناتو، والذين وضع في أيديهم وحدهم أمر التحكم في الحياة والموت، سلكوا مسلك رجال تحلوا بآداب رفيعة مهذبة، وتلقوا تعليما متحررا، واحترموا قواعد العدالة، وكانوا على إطلاع واسع بمبادىء الفلسفة، وكثيرا ما نبذوا المهمة البغيضة، ألا وهي مهمة الاضطهاد، وأسقطوا الإتهام في احتقار، أو أوعزوا إلى المسيحى
(1) يروى لنا جيروم في كتابه "أسطورة بولس الناسك» قصة غريبة لشاب قيد بالأغلال عاريا في فراش من الأزهار، وباغتته غانية جميلة لعوب، فما كان منه إلا أن قضم لسانه ليخمد جذوة الشهوة بين ضلوعه.
(۲) استفز اعتناق زوجة كلوديوس هرمنیانوس Claudius Herminianus حاكم كبادوكيا للمسيحية، إلى معاملة المسيحيين بقسوة غير عادية
……..
المتهم ببعض الحيل القانونية التي يمكن بها الإفلات من صرامة القانون ... وكانوا اذا خولوا حرية التصرف - استغلوها في نجدة الكنيسة المنكوبة وفي مصلحتها أكثر كثيراً منها في البطش أو التنكيل بها. وكانوا بعيدين كل البعد، عن الحكم على كل المسيحيين المتهمين الذين يمثلون أمام محكمتهم، وبعيدين جدا عن الحكم بالإعدام على أولئك الذين أدينوا بالتعلق العنيد بالخرافة (العقيدة) الجديدة، اكتفاء منهم، في معظم الأحوال، بالعقوبة الأخف : السجن، النفى، السخرة في المناجم، وتركوا لضحايا قضائهم البائسة فرصة التعلق بالأمل في مناسبة سعيدة مثل ارتقاء إمبراطور إلى العرش أو زواجه أو انتصاره، مناسبة يصدر فيها عفو عام يعجل بعودتهم سيرتهم الأولى. أما الشهداء الذين نفذ فيهم الحكام الرومان حكم الإعدام فورا، فإنه يبدو أنهم اختيروا من بين فئتين على طرفي نقيض. فكانوا إما من بين الأساقفة والمشايخ، وهم أبرز الأشخاص وسط المسيحيين بحكم مراتبهم ونفوذهم، من الذين يلقي أمثالهم الرعب في قلوب الطائفة بأسرها، أو أحط وأحقر المسيحيين وبخاصة أولئك الذين اتسمت معيشتهم بالذل والاستعباد، ممن قدر أن حياتهم غير ذات قيمة، وممن نظر الأقدمون الى آلامهم وشقائهم بأكبر قدر من الاستهتار والاغفال. ويعلن العلامة أوريجن، وهو الواسع الاطلاع على تاريخ المسيحيين بحكم خبرته وقراءاته، يعلن في أجلى بيان أن عدد الشهداء كان قليلا جدا. وقد تكون حجته وحدها كافية لدحض القول بوجود هذا الجيش العرمرم من الشهداء الذين أخذت رفاتهم، في معظم الأحوال من قبور روما، وزخر بها كثير من الكنائس (1) والذين كانت أعمالهم الخارقة موضوع مجلدات كثيرة
(1) اذا تذكرنا أن كل العامة في روما لم يكونوا مسيحيين، وأن كل المسيحيين لم يكونوا قديسين أو شهداء، لأمكن الحكم إلى أى حد من الطمأنينة كانت الأمجاد الدينية تضفي على العظام أو زجاجات الرماد التي كانت تؤخذ دون تمييز من المقابر العامة وبعد عشرة قرون من عمل حر صريح ثارت بعض الشكوك في أوساط الكاثوليك، وخاصة الأكثر علما منهم، فإنهم يتطلبون الآن، كدليل على القداسة والاستشهاد، وجود الحرفين ب . م . (..) أو قارورة مليئة بسائل أحمر يظن أنه دم، أو صورة نخلة ولكن العلامتين الأوليين ليست لهما قيمة كبيرة، أما عن العلامة الأخيرة فقد لاحظ النقاد : (1) أن صورة النخلة - كما يسمونها، ربما كانت شجرة السرو، وربما كانت مجرد نقطة (للوقف). أو التنميق بالشولة ( 1 ) في النقوش الأثرية . (۲) أن النخلة كانت رمز النصر عند الوثنيين. (۳) أنها تستخدم عند المسيحيين كشعار الاستشهاد فقط، بل صفة عامة لبعث بهیج
۳۰۹
جداً من القصص الديني (۱)، ولكن توكيد أوريجن العام قد (توضحه وتعززه الشهادة الخاصة لصديقه ديونيسيوس، الذي يعد، في مدينة الإسكندرية الضخمة، وفى ظل اضطهاد ديسيوس العنيف، بعد عشرة رجال وسبع نساء شقوا باعترافهم بأنهم مسيحيون
استشهاد سبريان
