تنوع سياسة الإرهاب... من كتاب اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها للمؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبونْ

 



تنوع سياسة الإرهاب


وعلى الرغم من أن التعبد رفع من حرارة تلك الحمى التي انتابت العقول، واستمرت البلاغة تزيدها التهابا، فإنها أفسحت المجال، بطريقة غير ملحوظة، للآمال والمخاوف التي هي أقرب إلى طبيعة قلب الانسان، وطبيعة حبه للحياة، وخشيته من الألم وفزعه من الموت.


ووجد أكثر حكام الكنيسة فطنة وتبصرا، أنفسهم مضطرين إلى أن يكبحوا جماح هذه الحماسة الطائشة في أتباعهم، وألا يثقوا في هذا الوفاء الذي كثيرا ما هجرهم عند الإمتحان، ولما قل في الحياة القشف وقمع الشهوات، قل في الناس الطموح الى الاستشهاد، يوما بعد يوم، وكثيرا ما تخلى جند المسيح عن مواقعهم، بدلا من أن تشهرهم أعمالهم البطولية الاختيارية، وفروا على غير هدى أمام العدو الذي كان لزاما عليهم أن يتصدوا له وكانت هناك، على أية حال، أساليب ثلاثة للفرار من جحيم الاضطهاد، لم تدمغ كلها بنفس القدر من المعصية، وقد اعتبر أولها في الواقع أسلوبا بريئا بصفة عامة، أما الثاني فقد اكتنفه الشك، أو قل إنه قابل للغفران. ولكن الثالث انطوى على ردة صريحة آثمة عن عقيدة الكنيسة.


-۱ قد يدهش المحقق في عصرنا الحديث، إذ يسمع أنه إذا نمى إلى علم أى حاكم روماني أن شخصا في دائرة ولايته قد انضم إلى الطائفة المسيحية، كانت التهمة تبلغ إلى المتهم، وكانت تترك له فسحة

٣١٥

……….

من الوقت لتسوية شئونه الخاصة، وأعداد جواب عن التهمة التي ألصقت به، فإذا ساوره شيء من الشك في تجلده، هيأت له هذه المهلة فرصة للابقاء على حياته وشرفه بالهرب، فرصة اللجوء إلى مكان مجهول أو ولاية نائية، والتذرع بالصبر انتظارا لعودة الهدوء والطمأنينة. وسرعان ما أقرت نصائح أقدس الأحبار والاقتداء بهم مثل هذا الإجراء الذي يتمشى مع العقل والإدراك السليم. ولكن يبدو أنه قد ندد به نفر قليل، اللهم إلا المونتانيون الذين انزلقوا إلى الهرطقة نتيجة تعلقهم العنيد الشديد بصرامة النظام القديم (1)


۲ - إن حكام الولايات الذين لم تتملكهم الغيرة قدر ما سيطر عليهم الجشع، ارتضوا عملية بيع شهادات (كانت تسمى الإقرارات) تثبت أن الشخص المذكور اسمه فيها قد امتثل للقوانين، وأنه قدم القرابين للمعبودات الرومانية، وبإبراز مثل هذه الإقرارات الزائفة تمكن المسيحيون الأثرياء الجبناء من أن يخرسوا المخبر الخبيث، ويوفقوا، بشكل ما، بين سلامتهم وديانتهم. وكان يكفر عن هذا النفاق الدنس شيء قليل من التوبة


- ووجدت في كل اضطهاد أعداد كبيرة من المسيحيين التافهين الذين نبذوا أو أنكروا صراحة وعلنا العقيدة التي سبق اعتناقهم لها، وأكدوا إخلاصهم في ارتدادهم بالأعمال المشروعة، من إحراق البخور أو تقديم القرابين. واستسلم بعض هؤلاء المرتدين لدى أول تهديد أو وعيد من الحاكم، على حين استنفد الإمعان في التعذيب صبر آخرين منهم. وتم الفزع المرتسم على بعض الوجوه عما يعتمل في أعماقهم من تراجع عن عقيدتهم دون أن يبدوا حراكا، على حين خف آخرون في ثقة ورشاقة إلى مذابح الآلهة، ولكن القناع الذي نسجه الخوف لم يدم لأكثر من ساعة الخطر. وما أن خفت وطأة الاضطهاد حتى هرعت جموع النادمين التائبين إلى أبواب الكنائس، يلتمسون بنفس القدر من الحماسة والحمية، إعادتهم إلى المجتمع المسيحى، ولكن تباينت درجة نجاحهم في تحقيق ملتمسهم.


(1) يعتبر ترتوليان أن الفرار من الاضطهاد بمثابة ردة لم تتوفر كل أركانها، ولكنها إثم كبير، ومحاولة كافرة للهروب من إرادة الله ... وكتب في هذا الموضوع رسالة مليئة بأبشع الغضب، وبأكثر الحماس تنافرا. ومهما يكن من أمر، فإنه مما تجدر الإشارة إليه. إلى حد ما، أن ترتوليان نفسه لم يمت شهيدا، فلم يكابد الاستشهاد.

٣١٦

………

- ورغم القواعد العامة المقررة فى اتهام المسيحيين وعقابهم، فلابد أن يتوقف مصيرهم إلى حد كبير، في مثل هذه الحكومة الاستبدادية المترامية الأطراف، على سلوكهم هم أنفسهم، وعلى ظروف عصرهم ومزاج الحاكم الأعلى ومزاج مرءوسيه. وقد تهيج الغيرة الخرافية عند الوثنيين سورة غضبهم تارة، ويوهن أو يخفف التروي والتبصر منها تارة أخرى. وثمة دوافع مختلفة كانت تجنح بحاكم الولاية الى تنفيذ القانون أو إلى التراخي في تطبيقه، ومن أقوى هذه الدوافع اهتمامه، لا بالقوانين العامة وحدها، بل بالمقاصد الخفية للإمبراطور نفسه، حيث كانت نظرة منه واحدة تكفى لتستعر نار الاضطهاد أو يخبو أوارها، وكان المسيحيون الأولون يندبون حظهم، وربما بالغوا في آلامهم وشقائهم، كلما نزلت بهم بعض الشدائد في مختلف أرجاء الإمبراطورية، ولكن مؤرخي الكنيسة في القرن الخامس، الذين أوتوا من نفاذ البصيرة ما استطاعوا معه أن يتبينوا ابتسام الحظ من عثار الجد في الكنيسة من عهد نيرون الى عهد دقلديانوس - وهم الذين حددوا الاضطهادات بالعدد المشهور، وهو عشرة اضطهادات . وأوحت إليهم المطابقات البارعة مع أحداث الطاعون « العشرة » في مصر، وقرون التنين  العشرة  التي ورد ذكرها في سفر الرؤيا 

 الكتاب الأخير من العهد الجديد - أوحت إلى عقولهم بهذا الحساب في البداية، ثم حرصوا، في تطبيقهم لصدق النبوءة على صدق التاريخ، حرصوا على اختيار العهود التي كانت أشد عداء لقضية المسيحية. ولكن هذه الاضطهادات العابرة لم تثمر إلا في بعث الغيرة وإعادة النظام إلى صفوف المؤمنين، وعوضت عهود طويلة من السلام والأمن عن لحظات العنف الشاذة، وهيأ استهتار بعض الأمراء وإعطاء بعض آخر، للمسيحيين فرصة التمتع بالتسامح الديني الشامل، تسامحا عمليا، وربما كان غير مشروع، وتضمن دفاع ترتوليان مثالين قديمين جدا، فريدين جدا، ولكنهما في نفس الوقت مشكوك فيهما - عن رفق الأباطرة واعتدالهم وهما المرسومان اللذان أصدرهما تيبيريوس وماركوس انطونينوس، لا المجرد تعزيز براءة المسيحيين فحسب، بل حتى لإبراز تلك المعجزات الفذة التي شهدت بصدق عقيدتهم. وقد اكتنف المثل الأول بعض صعاب قد تربك العقلية المتشككة. وإنه ليراد بنا أن نصدق أن بيلاطس البنطى أبلغ الامبراطور نبأ الحكم الجائر الذي أصدره ضد  شخص برىء يبدو أنه مقدس، عرض نفسه للخطر دون أن ينال شرف الاستشهاد، وأن تيبيريوس الذي أعلن صراحة استهزاءه بكل الديانات

۳۱۷

…………


عقد النية على الفور على إدراج المسيح اليهودي في قائمة آلهة روما، وأن السناتو الخنوع تجاسر على عصيان أوامر سيده، وأن تيبيريوس - بدلا من استنكار هذا الرفض - قنع بأن يعصم المسيحيين من صرامة القوانين، قبل عدة سنين من سن مثل هذين المرسومين، وقبل أن تتخذ الكنيسة اسما أو كيانا متميزا. وأخيراً يراد بنا أن نصدق أن ذكرى هذا التصرف الخارق محفوظة في أصدق السجلات العامة التي أخطأها علم مؤرخي اليونان والرومان، والتي وقعت عليها فقط عينا مسيحيى أفريقي ترتوليان  كتب دفاعه بعد مائة وستين عاما من وفاة تيبيريوس. أما مرسوم ماركوس أنطونينوس، فالمفروض أنه جاء نتيجة إخلاصه وامتنانه لمعجزة خلاصه وإنقاذه في الحرب بينه وبين مارکومانی وقد سجلت فصاحة عدة كتاب وثنيين ما عاناه جيش ماركوس من كرب وضيق في البداية، والمطر الذي أنزله الله عليهم لإطفاء عطشهم، كما سجلت فزع المتبربرين من الرعد الذي أرسله الله عليهم وهزيمتهم. ولو أن في الجيش نفرا من المسيحيين، لكان من الطبيعي أن ينسب بعض الفضل إلى الصلوات والدعوات الحارة التي تضرعوا بها في ساعة العسرة من أجل سلامتهم، ومن أجل السلامة العامة، ولكن الآثار النحاسية والرخامية، والأوسمة الإمبراطورية، وعمود انطونينوس، ما تزال تؤكد لنا أنه لا الأمير ولا الشعب داخلهم الإحساس بهذا الإلتزام الفريد، لأنهم بالإجماع ينسبون خلاصهم إلى عناية الإله جوبيتر، وتدخل الإله هرمس. واحتقر ماركوس المسيحيين طوال حكمه، بوصفه فيلسوفا، ووقع عليهم العقوبات بوصفه ملكا وتوقفت على الفور، قضاء وقدرا، تلك الأهوال التي قاسوها في ظل حكومة أمير فاضل حين تبوأ العرش طاغية، ولما لم يعان أحد غيرهم من جور ماركوس، فإنهم وحدهم كذاك احتموا في رفق كمودوس وتساهله. ذلك أن مارشا الشهيرة Marcia، أحب خليلاته إليه، تلك التي حاولت آخر الأمر قتل عشيقها الإمبراطور، تعلقت تعلقا شديدا غريبا بالكنيسة المظلومة، وربما راودها الأمل - رغم استحالة التوفيق بين ممارسة الدعارة وبين تعاليم الإنجيل في أن تكفر عن سقطات بنات جنسها وحرفتها، بأن تعلن أنها راعية المسيحيين، ومن ثم قضوا في حلل الحماية الكريمة لمارشا، ثلاث عشرة سنة من الأمن والطمأنينة، وهي فترة حكم الطاغية الغاشم. فلما استقر عرش الإمبراطورية في أسرة سيفيروس، أنشأ المسيحيون علاقة خاصة ولكنها علاقة أشرف، مع الحاشية الجديدة. واقتنع الإمبراطور،

۳۱۸

…………

بأنه في مرضه الخطير، قد أفاد، روحيا أو ماديا، من الزيت المقدس الذي مسحه به أحد عبيده. ومن ثم عامل عدة أفراد من الجنسين ممن اعتنقوا الدين الجديد معاملة خاصة متميزة. وكانت مربية كاراكلا (ابنه) وكذلك معلمه، من المسيحيين، وإذا كان هذا الأمير الصغير قد أظهر يوما شيئا من العاطفة الإنسانية، فإن ذلك يرجع إلى حادثة ارتبطت رغم تفاهتها بقضية المسيحية. ففي عهد سيفيروس. كبح جماح الجماهير ، وأوقف بطش القوانين، وقنع حكام الولايات بتسلم هدية سنوية من الكنائس الواقعة في دائرة اختصاصهم، ثمناً أو مكافأة لاعتدالهم، وأجج النزاع بين أساقفة آسيا وإيطاليا اختلافهم على الموعد الدقيق للاحتفال بعيد الفصح، وكان هذا الاختلاف أهم ما يشغل فترة الفراغ والهدوء هذه، كما أنه لم يعكر صفو الكنيسة وقتئذ شيء، حتى تزايد عدد المهتدين الجدد إلى الحد الذي يبدو أنه جذب انتباه سيفيروس وحول مجرى تفكيره. فأصدر، بغية الحد من تقدم المسيحية، قانونا قصد أن يقتصر أثره على هؤلاء المرتدين الجدد إلى المسيحية، ولكنه رغم ذلك، لم يكن من الميسور تنفيذه، تنفيذا دقيقا، دون أن يعرض للخطر والعقاب، أشد المعلمين والمبشرين غيرة. ويمكن أن نتبين حتى في مثل هذا الاضطهاد المخفف، روح التساهل في روما وفى المشركين، تلك الروح التي تقبلت عن طيب خاطر كل عذر في جانب أولئك الذين مارسوا طقوس آبائهم الدينية.


ولكن سرعان ما زالت القوانين التي كان قد سنها سيفيروس بزوال سلطانه، ونعم المسيحيون، بعد هذه العاصفة الطارئة بهدوء دام ثمانية وثلاثين عاما. وكانوا حتى هذه الفترة يعقدون اجتماعاتهم في دور خاصة أو أماكن منعزلة، أما الآن فقد رخص لهم في تشييد أو تدشين أبنية مريحة ملائمة لأغراض العبادة، وفى شراء الأراضي حتى في قلب روما، لتستخدمها الطائفة في إجراء انتخاب الموظفين الكنسيين بطريقة علنية، ولكنها كانت في نفس الوقت مثالية استحقت إحترام الأمميين، واسترعت انتباههم. واقترن هذا الهدوء الطويل الأمد في الكنيسة بالجلال والعظمة. وثبت أن عهود الأمراء الذين نبتوا في الولايات الآسيوية كانت أوفق العهود للمسيحيين. وسمح لألمع أفراد الطائفة، بعد أن كانوا يلتمسون حماية أحد العبيد أو إحدى المحظيات، بالدخول إلى القصر، معززين مكرمين، بوصفهم قساوسة أو فلاسفة. وأثارت مبادئهم الغامضة التي كانت قد انتشرت بالفعل بين شعب، أثارت تشوف الملك دون أن يشعر. ولما مرت الإمبراطورة ماميا


۳۱۹

…..


بأنطاكية أبدت رغبتها في التحدث إلى الرجل المشهور أوريجن، الذي طبقت شهرة ورعه وعلمه آفاق الشرق، ورحب أوريجن بهذه الدعوة المغرية، ورغم أنه لم يكن يأمل في تحويل هذه المرأة الداهية الطموح، فانها أصغت في سرور إلى عظاته البليغة، وصرفته مكرما إلى مأواه في فلسطين. وتبنى الاسكندر أحاسيس والدته ماميا. وتميز النسك الفلسفي لهذا الإمبراطور بتقدير فريد ولكنه تقدير طائش للديانة المسيحية ووضع في معبده الخاص بالقصر تماثيل إبراهيم، وأورفيوس، وأبولونيوس، والمسيح، تكريما جديرا بهؤلاء الحكماء الموقرين الذين هدوا البشر إلى الطرق المختلفة التي يظهرون بها اجلالهم وولاءهم للإله الأعظم للكون كله. واعتنق كل من في القصر، ومارسوا علنا، عقيدة وعبادة أنقى. وشوهد الأساقفة، وربما لأول مرة، في الحاشية. فلما مات الاسكندر، صب مكسيمين الغليظ القلب جام غضبه على كل الخلصاء والموظفين من رجال ولي نعمته المنكود الحظ، وراح عدد كبير من المسيحيين من الجنسين ضحية هذه المذبحة الهوجاء، التي أطلق عليها من أجلهم، وبغير حق اسم  اضطهاد.


ورغم اتجاهات مكسيمين القاسية، كانت آثار حنقه على المسيحيين محدودة مؤقتة جدا، وظل أوريجن الذي أهدر دمه، على أنه ضحية مخلصة، يبشر الملوك بحقائق الإنجيل، ووجه رسائل تهذيبية إلى الإمبراطور فيليب وزوجته وأمه. وحالما اغتصب الأمير الذي ولد بجوار فلسطين ، عرش الامبراطورية، التمس فيه المسيحيون صديقا وراعيا. وأثار عطف، بل تحيز، الإمبراطور فيليب للطائفة الجديدة، وتوقيره الدائم لرجال الكنيسة، أثار الشبهات التي حامت في أيامه حول اعتناقه المسيحية، ومهد للخرافة التي ابتدعت بعد ذلك، والتي تقول بأنه تطهر وكفر عن الوزر الذي ارتكبه بقتل سلفه البرىء، وبسقوط فيليب وتغير الحكام والرؤساء قام أسلوب جديد من الحكم، أسلوب شديد الجور على المسيحيين إلى حد أنهم صوروا حالتهم السابقة، حتى منذ أيام دوميتيان، على أنها حرية وطمأنينة كاملتان، إذا قورنت بالمعاملة البالغة القسوة التي عانوها في فترة حكم ديسيوس القصيرة. ولا تكاد فضائل هذا الأمير تدع لنا مجالا للشك في أنه كان مسوقا بدافع من السخط الدنيء على خلصاء سلفه. وأنه الأقرب إلى العقل والمنطق أن نعتقد أنه فى متابعته لخطته العامة لاستعادة نقاوة العادات الرومانية، كان يرغب في تخليص الامبراطورية

۳۲۰

……

مما وصمه هو بأنه خرافة (عقيدة) مستحدثة أثمة. فقضى على أساقفة أكبر المدن بالنفى أو بالإعدام. وحالت يقظة الحكام بين رجال الكنيسة في روما وبين إجراء أية إنتخابات جديدة مدى ستة عشر شهرا. وقال المسيحيون أنه أهون على الإمبراطور أن يحتمل منافسا له على العرش من أن يرى اسقفا في العاصمة. فهل كان من المحتمل أن بصيرة ديسيوس قد استشفت زهوا وغرورا تحت ثوب الوداعة والمسكنة، أو إنه تنبأ بتطلع السلطة الدينية تحت ستار ادعاءاتها الروحية إلى السلطة الدنيوية، وربما كانت دهشتنا أقل إذا رأينا أنه اعتبر خلفاء القديس بطرس أخطر منافسين لخلفاء أوغسطس.

وتميزت إدارة فاليريان بطيش وتقلب لا يتلاءمان مع هيئة  الرقيب الروماني، ففى أوائل حكمه، تجاوز رفقه رفق أولئك الأمراء الذين اشتبه في تعلقهم بالعقيدة المسيحية، وفى فترة السنوات الثلاث ونصف السنة الأخيرة من حكمه، وتحت تأثیر اصغائه إلى دس أو إغراء وزير انغمس في خرافات مصر، نرى الإمبراطور وقد تبنى مبادىء سلفه ديسيوس، واقتدى به في قسوته. إلا أن ارتقاء جالينوس إلى العرش وهو أمر زاد من مصائب الامبراطورية، أعاد الهدوء والسلام إلى الكنيسة، وحصل معه المسيحيون على حرية ممارسة عقيدتهم، بمقتضى مرسوم وجه إلى الأساقفة، واعتبر إقرارا بوظيفتهم وشخصيتهم العامة. ولم تلغ القوانين القديمة رسميا، ولكن سمح بالقائها في زوايا النسيان. ونعم تلاميذ المسيح (فيما عدا بعض النوايا العدائية التي نسبت إلى الإمبراطور أوريليان) بأكثر من أربعين سنة من رخاء كان أشد خطرا بكثير، على طهارتهم، من أفظع بلايا الاضطهاد.


وقد تكون قصة بولس السمسطى 

 (اسمها الآن سمسط على الضفة الشرقية لأعلى الفرات) ، الذي كان يشغل كرسي الأسقفية في إنطاكية، أيام حكم أوديناتوس وزنوبيا في الشرق، ذات فائدة في تصوير أحوال ذاك العصر وطبيعته. وكان ثراء هذا الحبر دليلا كافيا على جريمته، لأنه لم يرثه عن آبائه، ولم يكسبه عن طريق العمل الشريف، ولكن بولس اعتبر خدمة الكنيسة مهنة تدر الربح الوفير.

وكانت ولايته الكنسية دنيئة جشعة، فكثيرا ما ابتز التبرعات من أغنى الموسرين من المؤمنين، وحول لمصلحته الخاصة قدرا كبيرا من الدخل العام. وغدت الديانة المسيحية، نتيجة غروره وبذخه، مقيتة كريهة في أعين الأمميين. وكانت قاعة مجلسه وعرشه، والهالة من الأبهة والفخفخة التي أحاط بها نفسه أمام الناس، وجموع ذوى الحاجات


الاضمحلال ج ۱ - ۳۲۱

………..

الذين جاءوا يلتمسون رعايته، وأكداس الرسائل والعرائض التي أملى ردوده عليها، وزحمة العمل التي احتوته - كانت كل هذه أمورا أليق كثيرا بحالة حاكم مدنى (۱)، منها بوداعة أسقف بدائي وتكلف بولس، في خطبه إلى شعبه من فوق المنبر، الأسلوب المجازي والإشارات المسرحية لسفسطائي أفريقي، على حين كانت الكاتدرائية تضج بأعلى صيحات الاستحسان وأكثرها تطرفا لفصاحته الالهية، أما مع أولئك الذين تحدوا سلطته أو أبوا أن يتملقوا كبرياءه وغروره، فقد كان حبر إنطاكية متعجرفا عنيفا عنيدا، ولكنه كان يخرق النظام ويبعثر أموال الكنيسة على القساوسة التابعين له، والذين سمح لهم بالاقتداء بسيدهم في كل نزوة شهوانية. فقد انغمس بولس، في شراهة مطلقة فى ملذات المائدة، واستقبل في قصره الكنسى غادتين جميلتين ، كرفيقتين دائمتين له فى أوقات فراغه (۲).


ولو أن بولس السمسطي - رغم رذائله الفاضحة - أبقى على نقاوة المذهب الأرثوذكسي المستقيم لانتهت ولايته على عاصمة سوريا بانتهاء حياته فحسب، ولو أن اضطهادا معقولا تدخل في الأمر فلربما أدى ضرب من ضروب الشجاعة إلى رفعه إلى مراتب القديسين والشهداء. ولكن بعض الأخطاء الخبيثة الرقيقة، التي تبناها في غير تبصر. وتمسك بها في عناد شديد، فيما يتعلق بمبدأ التثليث، أثارت غيرة الكنائس الشرقية واستياءها، وتكتل الأساقفة من مصر إلى البحر الأسود، وقاموا وقعدوا وثارت ثائرتهم بسبب هذه الأخطاء، وعقدت عدة اجتماعات، ونشرت عدة تفنيدات لدحضها، وصدرت عدة قرارات بالحرمان من الكنيسة، وظهرت من الجانبين تفسيرات غامضة تأرجحت بين القبول والرفض، وعقدت معاهدات ثم نقضت، وانتهى الأمر بتجريد بولس السمسطي من منصبه الأسقفى بقرار من سبعين أو ثمانين أسقفا اجتمعوا لهذا الغرض في أنطاكية، وعينوا، بمقتضى سلطتهم الخاصة، خلفا لبولس، دون أخذ رأى الأكليروس


(1) كان الإتجار بالمناصب الدينية معروفا في هاتيك الأيام فقد اشتری رجال الاكليروس أحيانا، ما كانوا يعتزمون بيعه ويبدو أن أسقفية قرطاجنة قد اشترتها سيدة تدعى لوتشلا لأحد خدمها المدعو ماجورينوس، بثمن قدره ٤٠٠ صرة من النقود في كل منها ۱۲۵ قطعة من الفضة ويقدر المبلغ كله بنحو ٢٤٠٠ جنيه


(۲) اذا أردنا أن نحصى رذائل بولس لكان لزاما أن نثير الشبهات حول أساقفة الشرق مجتمعين، في أنهم نشروا أشنع الفضائح في رسائل دورية وجهت إلى كل كنائس الإمبراطورية 

۳۲۲

……


أو الشعب، وزاد الشذوذ الواضح في هذا الإجراء من عدد أفراد.

-الفريق المعارض، ولما لم يكن بولس غريبا على أفانين البلاط وحيله، فقد تسلل إلى عطف الملكة زنوبيا، ومن ثم احتفظ لأكثر من أربعة أعوام بدار الأسقفية ومنصبها. ولكن انتصار أوريليان غير وجه الشرق، وصدرت الأوامر للطرفين المتنازعين الذين رمى الواحد منهما الآخر بالمروق والزيغ، أو قل رخص لهما، بعرض قضيتهما على محكمة الإمبراطور الفاتح. وأن هذه المحاكمة العلنية الفريدة لتقدم برهانا قاطعا على اعتراف حكام الإمبراطورية على الأقل إن لم تكن القوانين كذلك بوجود المسيحيين وممتلكاتهم وامتيازاتهم وسياستهم الداخلية . وقلما كان من المتوقع أن يدخل أوريليان بوصفه وثنيا وجنديا - في مجادلات ليخلص إلى أى الفريقين : بولس أو خصومه، تتفق مبادئه مع العقيدة الصحيحة أكثر اتفاق ! ومهما يكن من شيء فقد بني الإمبراطور قراره على المبادىء العامة للإنصاف والمنطق. واعتبر أساقفة إيطاليا، أكثر القضاة نزاهة واحتراما بين المسيحيين، وحالما أبلغ أنهم وافقوا على حكم المجلس بالإجماع، اذعن لرأيهم، وأصدر على الفور أوامره بإرغام بولس على التنحى عن كل الممتلكات الدنيوية المرتبطة بمنصب قد صار حرمانه منه، فى رأى إخوته، بطريقة سليمة. ولكنا إذ نمتدح العدالة، يجدر بنا ألا نغض الطرف عن سياسة أوريليان الذي كان يرنو إلى استعادة اعتماد الولايات على العاصمة وتدعيم تبعيتها لها، بكل وسيلة يمكن أن توثق لحبه أي جزء من شعبه وتقيد أهواءهم.


الكنيسة في عهد دقلديانوس وخلفائه




تعليقات