أعداد المسيحيين الأولين وأحوالهم
—
وربما يبدو من هذا العرض النزيه، وإن كان عرضا غامضا، لتقدم المسيحية أنه من المحتمل، أن عدد المهتدين قد بولغ فيه إلى حد الإسراف، بفعل الخوف من ناحية، والورع من ناحية أخرى. وكانت نسبة المؤمنين طبقا لشهادة أوريجن التي لا يوجه إليها لوم ولا نقد ضئيلة جدا، إذا قورنت بمجموع عالم غير المؤمنين، ولكن من الصعب - تبعا لافتقارنا الى معلومات واضحة - أن نحدد، بل من الصعب حتى أن نحزر الأعداد الحقيقية للمسيحيين الأولين. ومهما يكن من أمر، فإن أحسن تقدير يمكن استخلاصه من أمثلة أنطاكية وروما، لا يجيز لنا أن نتصور أن عددا من جزء أكثر من عشرين جزءا من رعايا الإمبراطورية قد انضووا تحت راية الصليب قبل تحول قسطنطين، ذلك التحول الهام الخطير إلى المسيحية. ولكن يبدو أن ما درجوا عليه فى شئون العقيدة والغيرة الدينية والاتحاد، قد ضاعف من أعدادهم. وساعدت نفس الأسباب التي أسهمت في ازدياد عددهم فيما بعد، علی ابراز قوتهم واكسابهم مزيدا من المهابة.
إن بناء المجتمع المدنى ليهبط بجمهرة الشعب الى مهاوي الضعة والجهل والفقر، في الوقت الذي تتميز فيه فئة قليلة بالثروة أو المرتبة أو المعرفة فكانت النتيجة أن الديانة المسيحية التي خاطبت الجنس البشرى بأسره، لابد أن تضم تحت لوائها من المهتدين من المراتب الدنيا، عددا أكبر بكثير منه من المراتب العليا في الحياة. وتحول هذا الظرف البرىء الطبيعي الى إتهام كريه جدا، يبدو أن المدافعين عن العقيدة أنكروه في جرأة أقل مما استغله أعداؤها للتحريض عليه، وهو
…. .
۲۸۲
أن الطائفة المسيحية الجديدة تكاد تتألف تماما من سفلة القوم، من الفلاحين والميكانيكيين، من الأطفال والنساء، من المتسولين والعبيد، وربما قدم هؤلاء الأخيرون - العبيد - في بعض الأحيان، الإرساليات التبشيرية إلى الأسرات الغنية النبيلة التي يتبعونها. هؤلاء المعلمون الخاملون (وتلك هي نفثة الحقد والكفر) كانوا يلوذون بالصمت في العلن، قدر ما يثرثرون ويؤكدون عقيدتهم في مجالسهم الخاصة، وبينما كانوا يتحاشون فى حذر المجابهة الخطيرة للفلاسفة، كانوا يختلطون بالجمهور الأمى الشرس، ويتسللون إلى تلك العقول التي يجنح بها السن أو الجنس (ذكر أو أنثى) أو التعليم أحسن جنوح إلى التأثر بالإرهاب الخرافي.
إن هذه الصورة القبيحة، رغم ما تحمل من شبه طفيف، لتفضح بتصويرها القاتم ومعالمها المشوهة قلم الخصم الذي رسمها اعتنق المسيحية، عندما انتشرت في العالم أفراد كثيرون ممن استمدوا بعض النتائج من هبات الطبيعة أو الحظ، فإن ارستيد الذي وجه إلى الإمبراطور هادريان دفاعا مجيدا بليغا كان فيلسوفا أثينيا. والتمس جوستين الشهيد المعرفة الإلهية في مدارس زينون وأرسطو وفيثاغورس وأفلاطون، قبل أن يسعده الحظ فابتدره الرجل الشيخ، أو بالأحرى أحد الملائكة الذي حول انتباهه إلى دراسة أنبياء بنى اسرائيل. وظفر كل من كليمنز الاسكندرى وترتوليان بقراءات كثيرة، الأول في اليونانية، والثانى في اللاتينية، كما حصل جوليوس الأفريقي وأوريجن على قسط كبير من التعليم في عصرهما.
ورغم التباين الشاسع بين أسلوبي كل من سبريان ولكتانتيوس، فإن هذين الكاتبين كانا معلمين شعبيين للبلاغة. بل أن دراسة الفلسفة دخلت أخيرا بين المسيحيين، ولكنها لم تسفر دائما عن أحسن النتائج، وكثيرا ما كانت المعرفة داعية إلى الهرطقة أو التدين على قدر سواء.
ويمكن أن يطلق الاسم الذي اخلع على أتباع أرتيمون بنفس القدر من اللياقة، على مختلف الشيع التي قاومت خلفاء الرسل.
(أنهم يجسرون على أن يغيروا الأسفار المنزلة المقدسة، وينبذوا القاعدة القديمة للإيمان، ويشكلوا آراءهم وفق التعاليم الدقيقة للمنطق. وأهمل علم الكنيسة سعيا وراء دراسة الهندسة. وأن أبصارهم لتعمى عن السماء عندما ينصرفون إلى قياس الأرض، وانك لتجد اقليدس دوما بين أيديهم، وأرسطو وتيوفراستس موضع إعجابهم، وكم من الإجلال والاحترام يظهرون لمؤلفات جالينو.
إن أخطاءهم صادرة عن سوء استخدامهم
۲۸۳
……
لفنون الكفار وعلومهم.
وإنهم ليفسدون بساطة الإنجيل بتنميقات العقل البشرى».
ولا يمكن التثبت بحق من أن مزايا المولد أو الثروة كانت دواما بمعزل عن اعتناق المسيحية.
وقد مثل كثير من المواطنين الرومان أمام محكمة بليني، وسرعان ما اكتشف أن عددا كبيرا من الناس من كل طبقة وطائفة في بيثينيا قد نبذوا ديانة آبائهم وأجدادهم. وقد تحظى شهادته التي لا شبهة عليها، في هذه المناسبة، بنصيب من الثقة والتصديق أكبر من التحدي الجرىء من جانب ترتوليان، حيث يثير مخاوف البروقنصل في أفريقية ويهيب بالروح الإنسانية فيه على حد سواء، بقوله له أنه بامعانه في أعمال القسوة سوف يبيد عُشر أهل قرطاجة، ولسوف يجد بين المذنبين أفرادا كثيرين من مرتبته، ومن شيوخ السناتو، ومن نساء أشرف الأسرات، ومن أصدقاء أو أقرباء أوثق صحابته صلة به، ويبدو، على أية حال، أن الإمبراطور فاليريان بعد أربعين عاما من ذلك التاريخ، قد اقتنع بصدق هذا الكلام. حيث يورد صراحة في أحد أوامره العالية أن بعض أعضاء السناتو والفرسان الرومان وفضليات النساء قد اعتنقوا المسيحية، ودأبت الكنيسة على الاستزادة من بهائها الظاهري حين فقدت نقاوتها الباطنة، وفي عهد دقلديانوس اندس سرا في القصر وفى محاكم العدل، بل وفي الجيش، كثير من المسيحيين الذين حاولوا التوفيق بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة.
على أن هذه الحالات الإستثنائية اما أن تكون قليلة العدد أو حديثة العهد، إلى حد لا يمكن معه أن تزيل تماما هذا الإتهام بالجهل أو الوضاعة الذي ألصق في غطرسة زائدة بالمهتدين الأوائل إلى المسيحية.
وبدلا من أن نلجأ في الدفاع إلى تخيلات وأقاصيص العصور المتأخرة، قد يكون أقرب إلى الفطنة والحرص أن نحول مظنة الفضيحة والعار إلى موضوع التهذيب والتثقيف. وقد يهدينا التفكير الجدي إلى أن الرسل أنفسهم قد اختارتهم العناية الإلهية من بين صائدي الأسماك في الجليل، وأننا كلما هبطنا بمستوى المسيحيين الأولين الدنيوي إلى الحضيض، توافر لنا المزيد من الأسباب الداعية إلى الإعجاب بجدارتهم وتوفيقهم، أنه لزام علينا ألا تغرب عن أذهاننا قط مملكة السماء، فقد وعد بها فقراء الروح، وأن العقول التي توالت عليها المصائب وابتليت باحتقار الناس هي التي تصغى في ابتهاج وسرور إلى الوعد الإلهي بالسعادة في الحياة الآخرة، بينما على النقيض
٢٨٤
…..
من ذلك يقنع المحظوظون بتملك هذه الدنيا. كما أن الحكماء يفرطون في الشك، ويحاجون في تفوقهم العقيم في حسن ادراكهم ومعرفتهم .
وقد نكون فى حاجة إلى بعض هذه التأملات لتخفف عن أنفسنا فقدان بعض الشخصيات اللامعة التي قد تبدو في أعيننا أجدر بالنعمة الالهية.
إن أسماء، سينكا، وبليني الكبير، وبليني الصغير، وتاسيتوس، وبلوتارك، وجالينوس، والعبد ابكتيتوس Epictetus. والإمبراطور مارك أنطونينوس، ان هذه الأسماء تزين العصر الذي از دهرت فيه، وترفع من شأن الطبيعة البشرية. فقد أضفى كل منهم مجدا وجلالا على المكان الذي شغله في دنيا النشاط والعمل أو دنيا الفكر والتأمل على حد سواء، ووسع البحث والدرس مداركهم الممتازة، ونقت الفلسفة أذهانهم من شوائب الخرافة الشعبية، وقضوا أيامهم في البحث عن الحقيقة وممارسة الفضيلة.
ولكن هؤلاء الحكماء جميعا (وهذا مثار الدهشة ومثار الاهتمام معا) ضربوا صفحا عن كمال المذهب المسيحي أو انكروه.
وان إفصاحهم أو صمتهم ليشف، بقدر سواء، عن احتقارهم لهذه الطائفة الناشئة التي نشرت في زمانهم لواءها على الإمبراطورية الرومانية، أما الذين تفضلوا منهم فذكروا المسيحيين، فإنهم اعتبروهم فئة من المتحمسين العنيدين المتمردين الذين خضعوا خضوعا صريحا لمعتقداتهم الغامضة، دون أن يكونوا قادرين على الإتيان بحجة واحدة يمكن أن تجذب انتباه أهل المثل والعلم.
وقد يكون من المشكوك فيه، على الأقل، أن هؤلاء الفلاسفة قرأوا كل ما نشره المسيحيون الأولون مرارا وتكرارا دفاعا عن أنفسهم وعن دينهم، ولكنه مما يدعو إلى مزيد من الرثاء أن مثل هذه القضية لم يقول الدفاع فيها محامون أعظم قدرة، فإن هؤلاء إنما يكشفون عن إسفاف الشرك في حصافة وفصاحة مسرفتين، ويستدرون رحمتنا إذ يعرضون براءة إخوانهم المنكوبين وشقاءهم، ولكنهم اذا ما رغبوا في عرض النشأة الإلهية للمسيحية، ألحوا على النبوءات التي بشرت بظهور المسيح إلحاحا أقوى بكثير منه على المعجزات التي صاحبت ظهوره، وقد تجدي حجتهم المفضلة في تثقيف المسيحي أو تحويل اليهودي، لأن هذا وذلك يعترفان بقوة هذه النبوءات، ويقتضيهما الإجلال الورع أن يسعيا وراء معناها ووراء تحققها، ولكن هذه الطريقة في الإقناع تفقد كثيرا من وزنها وتأثيرها، إذا وجهت إلى أناس لا يفهمون الشريعة الموسوية والأسلوب الرسولي ... أن المعنى السياسي
٢٨٥
……..
للوحي العبري المنزل ليتبخر على الأيدى غير الحاذقة، أبدى جوستين ومن جاء بعده من المدافعين الذين لجأوا إلى استخدام الأساليب المغرية والغرور المصطنع والمجازات الجامدة، بل أن حجية هذا الوحي أو أصالته وصحته أصبحت موضع شك الأممى غير المستنير، بفعل هذا الخليط من التلفيقات التي تتسم بالتقى، والتي أقحمت باسم اورفيوس Orpheus وهرمز Hermes والعرافات والمتنبئات بالغيب، (1) على هذا الأممي، وكأنها في منزلة الوحي السماوي الأصيل. وغالبا ما يذكرنا اقتباس هذا التدليس والسفسطة في الدفاع عن الوحي المنزل بالسلوك المعيب الغرير للشعراء الذين يثقلون ظهور أبطالهم الذين لا ينفذ إليهم أي سلاح، بدروع مربكة هشة لا فائدة فيها.
ولكن كيف نغفر للوثنيين والعالم لفلسفة غفلتهم اللاهية عن الأدلة التي قدمتها القدرة الالهية لا لعقولهم، بل لحواسهم؟ ففي عهد المسيح وحوارييه وتلاميذه الأوائل، تأكدت العقيدة التي بشروا بها بكثير من الكرامات والمعجزات، فقد استوى الأعرج على قدميه، وعاد إلى الأعمى نور عينيه، وبرىء المريض من علته، وعاد الميت إلى الحياة، وطرد الجن والشياطين، وكثيرا ما توقفت الطبيعة تدعيما للكنيسة. ولكن حكماء اليونان وروما أشاحوا بوجوههم عن هذه المشاهد العجيبة، وبدا أنهم - في غمرة مهام حياتهم العادية ودراساتهم. لا يلقون بالا إلى أية تغييرات فى التدابير الأدبية أو المادية التي تحكم العالم.
ففى عصر تيبيريوس، ساد العالم، أو قل ولاية مشهورة في الإمبراطورية الرومانية - ظلام دامس غير طبيعي لمدة ثلاث ساعات، ولكن هذه الحادثة الخارقة التي كان يجدر أن تثير الدهشة والفضول والتقوى في نفوس البشر، مرت دون أن يلتفت إليها أحد في عصر هو من عصور العلم والتاريخ.
وقد وقعت هذه الحادثة في حياة سينكا وبليني الكبير اللذين كان مفروضا أن يعاينا النتائج المباشرة، أو يتلقيا أول نبأ لهذه المعجزة. وقد سجل كل من هذين الفيلسوفين في مؤلف قيم، كل الظواهر الطبيعية الكبرى، الزلازل، النيازك، الشهب، الخسوف والكسوف، وغير ذلك مما جمعه حبهم للاستطلاع دون كلال
٢٨٦
……
أو ملال. ولكن كليهما أغفل ذكر أكبر ظاهرة شهدتها العين الفانية منذ بدء الخليفة. وأفرد بليني فصلا خاصا عن كسوف ذي طبيعة خارقة استمر لمدة غير عادية، ولكنه اكتفى بوصف النقص الشاذ في الضوء الذي أعقب مقتل يوليوس قيصر، حين بدأ قرص الشمس باهتا لا يتألق طوال الجزء الأكبر من السنة. وخلد بالفعل معظم الشعراء والمؤرخين في ذلك الزمان ذكر فصل الظلام، هذا الذي لا يمكن، على التحقيق، مقارنته بالظلمة الخارقة التي خيمت على الأرض عند موت المسيح.
۲۸۷
