الفصل الرابع عشر
( ٣١٥ - ٣٢٣ م )
قسطنطين في روما : اصلاحاته التشريعية
تمثل الصدع أو العيب الأساسي الخطير في نظام دقلديانوس في أن لمكسيميان ابنا هو مكسنتيوس Maxentius ولقسطنطيوس ابنا هو قسطنطين Constantine وتحكم العطف الأبوى وطغى على نظام الانتخاب وحسن الإختيار . وحاول جاليريوس أن يفرق بين قسطنطين ووالده لكن الشاب ، رغم ذلك ، لحق بوالده في بريطانيا ، وعند موت الوالد في يورك ، نودی بالابن امبراطورا (( أوغسطس )) وفي نفس العام نقض مكسنتيوس الميثاق ، وخرج من عزلته
وكانت استراتيجية قسطنطين وخططه الدقيقة البارعة هي الخيط الأول الرئيسي في كل الحروب والمناورات السياسية ، فقد تولى هو إدارة الغال ، بينما أقام مكسنتيوس حكما طاغيا غاشما في إيطاليا وأفريقية ثم غزا الأول إيطاليا وهزم مكسنتيوس وقتل عند جسر مليفيان Milivian خارج روما . وقد زعموا أن قسطنطين رأى ، قبل هذه المعركة ، الرؤيا التي قرر من أجلها التحول الى المسيحية
قسطنطين في روما
لا يستحق قسطنطين في استغلاله لثمار النصر ، الاطراء لاعتداله ورقته ، ولا اللوم لعنفه وبطشه ، فقد سقي بالكأس التي كان لابد أن يتجرعها هو وأسرته لو كانت الهزيمة حلت به فأعدم ابني الطاغية ، وحرص على أن يستأصل كل من ينتمي اليه . ولا بد أن أبرز اتباع مكسنتيوس توقعوا أن يشاركوه مصيره كما شاركوه يسره ورخاءه
٢٢٤
……
: وجرائمه ، ولكن لما تعالت أصوات الشعب الروماني مطالبة بالمزيد من الضحايا ، تصدى الفاتح في شيء من الثبات والانسانية لهذه الصيحات الذليلة التي أملاها الرياء والاستياء معا . وعوقب المخبرون الوشاة ولم يلقوا تشجيعاً ، واستدعى من المنفي أولئك الأبرياء الذين عانوا من قبل من ظلم الطاغية السابق . وصدر قانون عفو عام هدأ الخواطر وأقر الممتلكات في إيطاليا وفي أفريقية . ولخص قسطنطين خدماته ومشروعاته في خطاب متواضع له امام السناتو عندما شرفه بزيارته لأول مرة ، وأكد احترامه الخالص للمجلس الموقر ، ووعد : بتدعيم مكانته وامتيازاته القديمة ، ورد المجلس المشكور على هذه الاعترافات الجوفاء بألقاب الشرف الزائفة التي كان لا يزال من سلطته أن يمنحها . وأصدروا ، دون أن يحصلوا على تصديق قسطنطين ، مرسوماً بتعيينه في المكان الأول بين الأباطرة الثلاثة الذين يحملون لقب « اوغسطس » والذين يحكمون العالم الروماني . وأقيمت الألعاب والاحتفالات تخليدا لذكرى انتصاره ، كما أن عدة مبان شيدها مكسنتيوس على حسابة قد كرست لتكريم غريمه المنتصر . ولا يزال قوس نصر قسطنطين قائما ، دليلا محزنا على اضمحلال الفنون ، وشاهدا فريدا على أحط ألوان الزهو والغرور ، فأنهم لما تعذر عليهم أن يجدوا في عاصمة الامبراطورية نحاتا يستطيع أن يتولى بلمساته تزيين هذا الأثر العام ، عمدوا إلى قوس نصر تراجان فجردوه من أروع رسومه ، دون احترام لذكراه ، أو رعاية القواعد الملكية . وأغفلوا كل الإغفال تفاوت الأزمان والأفراد والأعمال والشخصيات من ذلك أن الأسرى البارثيين يبدون منبطحين تحت قدمی أمير لم يجرد قط جيشا فيما وراء الفرات ، وما يزال في مقدور الأثريين المدققين أن يكتشفوا رأس تراجان فوق نصب قسطنطين . أما الزخارف التي كان لزاما أن يملأوا بها الفراغات في النحت القديم فقد تمت على أقبح صورة وأبعدها عن المهارة والإتقان
أما القضاء النهائي على الحرس البريتورى فكان إجراء يتسم بالحرص والفطنة ، كما يمثل ضربا من الانتقام . ذلك أن قسطنطين أخمد الى الأبد قوة هذه الفرق التي ملأها الصلف والغطرسة ، والتي أبقى ودمر مكسنتيوس على أعدادها و امتيازاتها ، بل زاد منها وبالغ فيها، ودمر المعسكر الحصين ، وتبعثرت الفئة القليلة من هؤلاء البريتوريين ، تلك التي أفلتت من بطش السيوف ، نقول تبعثرت بين مختلف قوات الجيش أو نفيت الى أقصى حدود الإمبراطورية ، حيث يمكن أن يتنفع بهم دون أن يشكلوا خطرا . وإذ قضى قسطنطين على هذه الفرق التي كانت ترابط عادة في روما ، فإنه وجه بذلك ضربة قاضية إلى مكانة
الاضمحلال ج ١ - ٢٢٥
السناتو والشعب ، كما باتت العاصمة العزلاء من السلاح معرضة لإساءت مليكها النائي أو إهماله ، وليس لها ما يعصمها من هذا أو تلك .
وقد نلاحظ أن الرومان في محاولتهم الأخيرة للحفاظ على حريتهم المنهارة المحتضرة وقد توجسوا خيفة من الجزية ، دفعوا مكسنتيوس الى العرش ، ولكنه تقاضى هذه الجزية على اعتبار انها تقدمة خالصة وأهابوا بقسطنطين لمساعدتهم ، فقهر الطاغية ، وحول الهدية الخالصة الى ضريبة دائمة. وقسم شيوخ السناتو الى طبقات تبعا لما أعلنوه عن بيان ممتلكاتهم ، فدفع أكثرهم يساراً وغنى ثمانية أرطال من الذهب سنويا ، ودفعت الطبقة الثانية أربعة أرطال ، ودفعت الأخيرة رطلين ، أما أولئك الذين كان يجوز لهم طلب الإعفاء لفقرهم فقد فرض عليهم سبع قطع ذهبية . والى جانب أعضاء السناتو الفعليين ، تمتع أبناؤهم وذرياتهم ، بل وأقرباؤهم ، بالامتيازات الزائفة التي لا قيمة لها ، واحتملوا العبء الثقيل لهذا النظام ، وليس مما يدعو إلى الدهشة بعد ذلك ، أن يوجه قسطنطين عنايته الى الاستزادة من عدد هؤلاء الذين ينطبق عليهم هذا الوصف المجدى . ولم يقض الإمبراطور الظافر ، بعد موت مكسنتيوس أكثر من شهرين أو ثلاثة في روما التي زارها مرتين بعد ذلك طوال ما تبقى من سنى حكمه ، ليشارك في الاحتفالات العظيمة بالعيد السنوي العاشر والعيد العشرين لتوليه الحكم فقد كان قسطنطين في حركة دائبة لتدريب جنوده أو لتفقد الأحوال في الولايات ، وكانت اقامته متنقلة بين تريف Treves وميلان وأكويليا وسرميوم ونسوس Naissus وسالونيكا - الى أن أسس ( روما جديدة » على تخوم أوربا وآسيا .
عقد قسطنطين في البداية تحالفا مع ليسينوس
Licinius
ثم اشتبك معه بعد ذلك في حرب . وتم الصلح بينهما بعد معركتي . Mardia ومارديا Cibalis سيباليس
اصلاحات قسطنطين التشريعية
حقق الصلح بين قسطنطين وليسينيوس ، على أية حال ، للعالم الروماني هدوءا دام أكثر من ثماني سنوات، رغم ما كان يشوبه من نفور وحقد ، وذكريات الإساءة الأخيرة ، وتوقع الخطر في المستقبل . واذ تبدأ حوالي هذه الفترة سلسلة منتظمة من القوانين الامبراطورية ، فليس
٢٢٦
من العسير أن نسجل تلك التنظيمات المدنية التي شغلت فراغ قسطنطين .
ولكن أهم النظم التي ابتدعها مرتبطة أشد الإرتباط بأسلوبه الجديد في. السياسة والدين ، ذلك الأسلوب الذى لم يستقر ويتأصل بالفعل ، إلا في سنى الهدوء والسلام الأخيرة من حكمه . ويرجع كثير من قوانينه المتعلقة بحقوق الأفراد وملكيتهم وبممارسة المحاماة الى التشريع الخاص أكثر منها الى التشريع العام في الامبراطورية . كما أنه أصدر عدة قوانين ذات طابع محلى مؤقت ، بدرجة لا تستحق معها عناية التاريخ العام . على أنه يمكن اختيار قانونين إثنين من هذه المجموعة : واحد لأهميته والثاني لغرابته ، الأول لخيره المشهود ، والآخر لقسوته المتناهية .
ا - انتشرت الى حد رهيب يوما عن يوم في الولايات وخاصة في إيطاليا ، العادة الفظيعة القديمة ، وهى تعرض الأطفال الحديثي الولادة للموت أو قتلهم ، وكان هذا نتيجة الضيق الناتج أساسا من عبء الضرائب وفداحتها التي لا تحتمل ، ومن مضايقات واضطهادات مأموری الدخل لمدينيهم المعسرين ، ومن ثم رأى أقل الناس ثراء وعملا - بدلا من الإحساس بالمتعة في كبر الأسرة - أنه من الحنان الأبوى والعطف أن يخلصوا أطفالهم مما يحدق بهم من البؤس والفاقة في حياة يعجز الآباء أنفسهم عن احتمالها . وتحركت روح الانسانية في نفس قسطنطين نتيجة لبعض أمثلة صارخة حديثة من اليأس ، ودفعته الى إصدار أمر عال إلى كل مدن إيطاليا ثم أفريقية فيما بعد ، بتقديم معونة عاجلة كافية الى الآباء الذين يحضرون أمام الحكام أولئك الأبناء الذين لا يستطيعون تعليمهم نتيجة لفقرهم . وكان الوعد سخيا والشرط غامضا ، الى درجة لم يحقق معها أى نفع عام أو دائم. فإن القانون رغم ما هو جدير به من ثناء وتقدير ، لم يفلح فى تخفيف ويلات الناس أكثر الخطباء في اظهارها . ولكنه سيظل حجة دامغة تتحدى وتتصدى لأولئك الخطباء المرتشين الذين بلغوا من الرضا بموقفهم حدا لا يستطيعون معه تبين الرذيلة. أو التعاسة في ظل حكومة مليك جواد
. أما قوانين قسطنطين ضد هتك العرض ، فلم تتسم إلا بأيسر القليل من التغاضى عن أحب نقاط الضعف في الطبيعة الإنسانية ، حيث أن وصف هذه الجريمة لم يقتصر على الاغتصاب بالقوة ، بل تعداه إلى الاغواء الناعم الذي يغرى إمرأة غير متزوجة دون الخامسة والعشرين من العمر ، وترك بيت والديها هكذا عوقب الغاصب الذي هتك العرض بالموت ، فإذا لم يتكافأ الموت البسيط مع فداحة الجرم ، أحرق
۲۲۷
حيا أو قطعته الوحوش الكاسرة إربا في المسرح ، واذا اعترفت العذراء بأنها اختطفت برضاها ، فانها لن تنقذ بذلك حبيبها ، بل كانت تتعرض لمشاركته مصيره وعهد برفع الدعوى الى أبوي المجرم أو الفتاة المنكودة ، فاذا تغلبت عليهما عواطف الطبيعة وأدت بهما الى التغاضي عن الأذى ، واللجوء إلى الزواج بعد ذلك محافظة على شرف الأسرة ، فإن الأبوين يعاقبان بالنفي والمصادرة . أما العبيد من الإناث أو الذكور الذين يثبت عليهم الإشتراك في جريمة الاغتصاب أو الاغواء ، فكانت عقوبتهم الموت بهذا اللون البارع من التعذيب ، وهو صب كمية من الرصاص المصهور في حلوقهم . ولما كانت هذه الجريمة ذات صفة عامة ، فقد أجيز توجيه الإتهام حتى للأجانب ، ولم يكن الشروع في إقامة الدعوى محددا بفترة محددة من السنوات ، وكانت نتائج الحكم تمتد لتشمل النتاج البرىء لهذا الإتصال الشاذ » ولكن لما كانت المعصية تثير من الرعب والفزع أقل بكثير مما تدعو إلى العقوبة ، فأن صرامة قانون العقوبات لابد أن تذعن لمشاعر البشر فقد خفضت أو ألغيت بعض الأجزاء في هذا القانون في العهود التالية . بل إن قسطنطين نفسه خفف من شراسة نظمه العامة ، عن طريق قرارات جزئية خاصة أصدرها في بعض الحالات ، رأفة بأصحابها . هكذا كان المزاج الحاد للامبراطور الذي تساهل بل تلكأ وتوانى فى تنفيذ قوانينه ، قدر ما كان متشددا بل قاسيا في سنها . ولا يكاد يكون من الميسور أن تجد أكثر من هذا علامات حاسمة للضعف ، في خلق الأمير أو في نظام الحكم .
في سنة ٣٢٣ نشبت الحرب الأهلية من جديد بين قسطنطين وليسينيوس . وانفرد قسطنطين بالسيادة على الامبراطورية بعد معركتي ادرنة وكريسوبوليس ، وموت غريمه
٢٢٨
