الفصل الثالث عشر
( ٢٨٥ - ٣١٣ م )
حكم دقلديانوس وشركائه الثلاثة : انتصاره وتنظيمه الجديد
نشوء مراسم البلاط . اعتزال دقلديانوس . اضمحلال الفنون
كان عصر دقلديانوس أزهى من أى عصر من عصور أسلافه، كما كان مولده كذلك أكثر غموضا وخسة . وكثيرا ما حلت إدعاءات الجدارة والموهبة والعنف، نقول حلت تلك الإدعاءات العريضة محل الميزات المثالية للنبل والشرف . ولكن حاجزا واضحا فاصلا كان لا يزال حتى الآن قائما بين الحر والعبد من بنى الانسان . لقد كان آباء دقلديانوس عبيدا في بيت أنولينوس Anulinus وهو شيخ روماني من أعضاء السناتو ، ولم يكن دقلديانوس نفسه يتميز بای اسم آخر غیر هذا الذي اشتقه من مدينة صغيرة في دلماشيا ، حيث كان منبت أمه ، ومن المحتمل على أية حال أن يكون أبوه قد حصل على حرية الأسرة ، وأنه حصل كذلك بسرعة على وظيفة كاتب ، التي كان يشغلها عادة أشخاص من أمثاله ، وألهمت كلمات الوحى الطيبة ، أو قل حسن إدراكه لمواهبه السامية ، ألهمت الابن المتطلع ليسلك طريق الجندية ويتعلق بأماني الحظ السعيد . وقد يكون من أعجب العجب أن نتعقب تدرج الأساليب والأحداث التي مكنته آخر الأمر من تحقيق النبوءات واظهار هذه المواهب للعالم أجمع . فقد ارتقى دقلديانوس على التوالي الى حكومة ماسيا maesia ثم الى مرتبة القنصل ، ثم الى قيادة حرس القصر ، وهى وظيفة خطيرة الشأن . وقد تجلت قدرته وكفايته في حرب
٢٠٥
فارس . وبناء على اعتراف منافسيه وحكمهم ، وبعد موت نومريان Numerian ، أعلنوا أنه - وهو العبد - أجدر شخص بعرش الإمبراطورية.
وعلى حين دمغت الغيرة الدينية المشوبة بالخبث والحقد زمیله مکسیمیان بالقسوة الوحشية فإنها عملت على إلقاء ظلال من الشك على شجاعة الإمبراطور دقلديانوس الشخصية . وليس من اليسير أن تقتنع بجبن جندى من جنود الحظ ، حظي بتقدير الفرق ، وبحب كثير من الأمراء المحاربين ، في وقت معا . ولكن الوشاية تقترن عادة بقدر من الفطنة والذكاء يجعلها قادرة على اكتشاف أضعف الجوانب ومهاجمتها . ولم تقصر همة دقلديانوس به يوما عن النهوض بواجبه ، أو عن مواجهة أية مناسبة طارئة ، ولكنه لم يبد أنه قد أوتي الروح الجريئة الكريمة لبطل يرحب بالخطر وينشد الشهرة ، ويحتقر التصنع ، ويتحدى فى جراة ولاء النظراء ، فكانت مواهبه نافعة أكثر منها باهرة أو بارزة . وكان ذا عقل راجح تصقله وترقى به التجربة ودراسة البشر ، مع سعة الحيلة وتطبيق العلم على العمل ، ومزيج معقول من السخاء والإقتصاد ، ومن الرقة والصرامة ، ورياء عميق تحت ستار من الصراحة العسكرية ، وجلد على تحقيق الغايات مع مرونة في تنويع الوسائل ، وفوق كل هذا ، تفنن عظيم في إخضاع أهوائه وأهواء الآخرين لمصلحة أطماعه ، وفى صبغ هذه الأطماع بأشد الادعاءات خداعا ، مدعيا أنها من أجل العدالة والمصلحة العامة . ويمكن أن يعتبر دقلديانوس ، مثله في ذلك مثل أوغسطس ، مؤسسا لامبراطورية جديدة ، وتميز - كما تميز ابن قيصر المتبنى - بأنه رجل دولة وسياسة أكثر من رجل حرب وطعان ، فان أحدا من هذين الأميرين لم يستخدم القوة حيثما تحققت أغراضه بالسياسة
وقد تميز انتصار دقلديانوس بالاعتدال الفريد فى بابه . فإن الناس الذين تعودوا أن يمتدحوا الفاتح ورحمته اذا أنزلت عقوبة الموت أو النفى أو المصادرة في شيء من المساواة والرفق ، شهدوا - لشدة دهشتهم واغتباطهم حربا أهلية يخمد أوارها في ساحة القتال وثق دقلديانوس في ارسطوبولس الوزير الأول في بيت كاروس ، و أحترم حياة أعدائه وأموالهم ومكانتهم ، بل أبقى على الجزء الأكبر من اتباع كارينوس في مناصبهم وليس من غير المحتمل أن بواعث الفطنة والتبصر قد ساعدت روح الإنسانية لدى هذا الدلماشي الداهية المحتال ، فان كثيرا من هؤلاء الاتباع اشتروا حظوتهم لديه بالخيانة المستورة ، كما أنه قدر فى آخرين اخلاصهم واعترافهم بفضل سيد منکود بائس وكان أوريليان وبروباس وكاروس بفضل بصيرتهم
٢٠٦
النافذة قد ملأوا إدارات الدولة والجيش بموظفين ذوى مواهب معترف بها ، ممن كان إخراجهم من وظائفهم يضر بالخدمة العامة ، دون أن يحقق أية مصلحة لمن يتولى العرش بعدهم . وقد أظهر مثل هذا السلوك ، على أية حال ، للعالم الروماني أجمل جوانب الحكم الجديد .. وتظاهر الإمبراطور بتوكيد هذا الإرث المحمود حين أعلن أنه من بين فضائل وسجايا أسلافه ، كان يطمع أكثر ما يطمع في محاكاة فلسفة ماركوس أنطونينوس القائمة على الخير والإحسان
ويبدو أن أول عمل هام قام به قد أوضح إخلاصه واعتداله معا ذلك انه حذا حذو ماركوس فجعل من مكسيميان زميلا له ،
وأضفى عليه في البداية لقب قيصر ، ثم لقب أوغسطس فيما بعد ، ولكن بواعث هذا السلوك والشخص الذي اختاره ، كانت تختلف كل الاختلاف عن بواعث واختيار سلفه موضع إعجابه . فإن ماركوس ، بتوليته شابا مترفا على العرش ، قد دفع في الواقع دين الاعتراف بالفضل الخاص ، على حساب سعادة الدولة . ولكن دقلديانوس ، بإشراكه صديقا ورفيق سلاح في مهام الحكم ، قد أعد العدة للدفاع عن الشرق والغرب على السواء ، اذا ما أحدق أى خطر داهم . فقد ولد مكسيميان مثل اوريليان فلاحا في مقاطعة سرميوم فكان أميا لا يعبأ بالقوانين ، وكانت سذاجة مظهره وسلوكه ، تنضح ، حتى في أسمى مراتب حظه ، وضاعة نشأته . ولم يحذق الا فن الحرب. وقد اشتهر موقفه في كل بقعة من حدود الامبراطورية ، طوال سنى خدمته الكثيرة الحافلة ، ورغم أن مواهبه العسكرية كانت أليق بالطاعة أكثر منها بالقيادة ، وأنه لم يرق الى مهارة قائد بلغ حد الكمال ، فإنه ، بفضل عزيمته وثباته وخبرته ، استطاع أن ينهض بأشق الأعباء . كما أن مساوىء مكسيميان لم تكن أقل نفعا لولى نعمته فقد كان لا يستشعر الشفقة ولا يتهيب العواقب ، ومن ثم أصبحت في يد سيده الأداة الطيعة المستعدة لكل عمل من أعمال القسوة توصى به وتتنصل منه معاً سياسة الأمير الداهية المحتال . فما أن تضحى على مذبح الحذر أو الانتقام فريسة ، حتى يسارع دقلديانوس بشفاعته التي يؤديها في وقتها إلى إنقاذ الفئة القليلة الباقية من الأفراد الذين لم يفكر قط في إنزال العقاب بهم ، ثم ينحى باللائمة في وداعة ورفق على زميله العنيد ويندد بقسوته ، وينعم بالمقارنة بين العصر الذهبي ( أى حكمه هو ) وعصر الحديد ( أي حكم زميله ) ، كما نعتهما الناس ، على أساس مبادئهما المتناقضة في الحكم .
ورغم تباين شخصيتي الامبراطورين ، فقد احتفظا وهما على العرش بهذه الصداقة التي كانت تربط بينهما منذ كانا رفيقى سلاح . فقد ألف
۲۰۷
مکسیميان - بما ركب فيه من صلف وهوج وتهيج ، مما كان سببا في القضاء عليه وعلى السلام العام ألف أن يحترم ذكاء دقلديانوس وعبقريته ، واعترف بسيادة منطق العقل على منطق العنف الوحشى ولسنا ندرى أهو بدافع من الزهو أو باعث من الخرافة أن اتخذ الواحد منهما لنفسه لقب جوفيوس Govius والثاني لقب هرقوليوس Herculus وبينما كان جوبيتر يصون حركة العالم بحكمته المحيطة بكل شيء (هكذا كان يقول خطباؤهما المرتشون) كانت يد هرقوليوس التي لا تقهر ، تبطش بالطغاة والجبابرة وتطهر الأرض منهم.
ولكن حتى القدرة على كل شيء عند جوفيوس وهرقوليوس ، لم تكن كافية لاحتمال ثقل الإدارة العامة فقد اكتشفت فطنة دقلديانوس أن الإمبراطورية التي يقتحهما المتبربرون من كل جانب تتطلب في كل ناحية منها جيشا كبيرا وإمبراطورا . وفى ضوء هذا التفكير عقد العزم مرة أخرى على تقسيم السلطة المربكة المتشعبة وتوزيع السيادة العليا ، على قدم المساواة ، بين قائدين موهوبين مشهود لهما بالفضل ، على أن يكون لكل منهما لقب أدنى مرتبة وهو « قيصر » . أما الشخصان اللذان حباهما بمرتبة الشرف الثانية في السدة الامبراطورية، فهما جالريوس ، وكنيته أرمنتاريوس ، وكان في الأصل يشتغل برعى الماشية ، وقسطنطيوس Constantius الذي بلغ من شحوب وجهه أن سموه كلورس Chlorus . وفى وصفنا لبلد هرقوليوس ومنبته وخلقه نكون كذلك قد وفينا جالريوس حقه في هذه النواحي . وكثيرا ما كان يسمى ، وبحق ، مكسيميان الأصغر ، ولو أنه أثبت في مناسبات كثيرة أنه يفوق الأكبر فضلا وكفاية ، بشكل واضح . أما منبت قسطنطيوس فكان أقل غموضا من أقرانه . فقد كان أبوه يتروبيوس Eutropius من أكبر أشراف دردانيا Dardania ، وكانت أمه ابنة أخت الامبراطور كلوديوس . وقضى قسطنطيوس شبابه في خدمة الجيش ، ولكنه كان على خلق رضي رقيق . وقد اعترف الناس بجدارته بهذه المرتبة الرفيعة التي بلغها في النهاية . ورغبة في توثيق أواصر الوحدة السياسية بالوحدة الداخلية الأسرية ، انتحل كل من الامبراطورين صفة الوالد لأحد القيصرين : دقلديانوس لجالريوس ، ومكسيميان لقسطنطيوس . والزما
كلا منهما بطلاق زوجته السابقة ، ووهب كل منهما ابنته زوجة لابنه بالتبنى . واقتسم هؤلاء الأمراء الأربعة فيما بينهم أركان الامبراطورية الرومانية المترامية الأطراف ،
فعهد الى قسطنطيوس بالدفاع عن الغال وأسبانيا وبريطانيا ، واتخذ جالريوس من ضفاف الدانوب مركزا له ليكون وقاية لولايات الليريا . واعتبرت إيطاليا وأفريقية نطاق حكم
۲۰۸
مكسيميان ، واحتفظ دقلديانوس بتراقيا ومصر وأقطار آسيا الغنية ، نصيبا خاصا به . وكان كل منهم ملكا وسيدا فى نطاق ولايته الشرعية ، ولكن سلطتهم المتحدة امتدت على المملكة بأسرها ، وكان كل منهم على أتم استعداد لمعاونة زملائه بمشورته أو بحضوره . وعرف القيصران في مكانهما الرفيع ، للامبراطورين جلالهما وعظمتهما ، أما الأمراء الثلاثة الصغار ، فقد اعترفوا ، على قدم المساواة بأبيهم المشترك ومقدر حظوظهم ، فالتزموا طاعته وعرفوا له أياديه البيضاء عليهم . ولم تجد الغيرة المرتابة التي تقترن بالسلطة والقوة طريقها إليهم ، أو مكانا بينهم قط ، حتى لقد قورنت وحدتهم السعيدة بفرقة موسيقية حافظت مهارة الفنان الأول فيها على التناسق والانسجام بينها ، وضبطتها
ولم يتم هذا الإجراء الهام الا بعد ست سنوات من إشراك مکسیميان . على أن هذه الفترة من الزمن لم تخل من أحداث تذكر ولكنا ، زيادة في الايضاح ، آثرنا أن نصف ، أولا الشكل الأدق المحكم في عهد دقلديانوس ، ثم نردفه بأعماله ، متبعين في ذلك الترتيب الطبيعي للأحداث أكثر من التسلسل التاريخي المشكوك فيه
أخمد مكسيميان ثورة الفلاحين في الغال ، وكان كاروسيوس قد سيطر على أسطول القنال (بحر الشمال) ، فانتحل لنفسه صفة الامبراطور في بريطانيا ، ولكن قتله انتهى باستعادة قسطنطيوس لبريطانيا . وحمى القيصران حدود الراين والدانوب . ووجه دقلديانوس اهتمامه نحو الشرق بعد أن أخمد ثورة في مصر ، ونصب حاكما صديقا هو تيريداتس على أرمينيا ، وتنازل لفارس عن الولايات الواقعة فيما وراء دجلة ، وعقد معها صلحا دام أربعين عاما .
