قوى المعجزات في الكنيسة الأولى....اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها للمؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبونْ ،

 



قوى المعجزات في الكنيسة الأولى : ۳


إن المواهب الخارقة التي نسبت ، حتى في هذه الحياة ، إلى المسيحيين ، دون سائر الجنس البشرى ، لا بد وأنها أدت الى راحتهم


-قضى معظم حياته في قرطاجة (1) من أعظم أباء الكنيسة اللاتينية ٢٥٥ ١٦٠ م ) ولاية أفريقية الرومانية ( وله كتابات كثيرة باللاتينية واليونانية


وأصبح بعد موته (۲) تقول الأساطير اليونانية أنه ملك كريت، وابن زيوس أحد القضاة الثلاثة في العالم السفلى - ( المترجم )


٢٥١




هم أنفسهم ، وفي الغالب إلى اقتناع الزنادقة ، وفضلا عن المعجزات الطارئة ، التي كانت تحدث نتيجة التدخل المباشر للإله ، حين كان يعطل قوانين الطبيعة خدمة للمسيحيين ، ادعت الكنيسة المسيحية ، منذ عهد الحواريين وتلاميذهم الأولين ، سلسلة لم تنقطع من قوى المعجزات ، مثل الإلمام باللغات والرؤى ، والتنبؤ ، والقدرة على طرد الشياطين ، وشفاء المرضى واحياء الموتى ، وكثيرا ما وصلت المعرفة باللغات الأجنبية الى معاصری ایرینوس ، رغم أنه هو نفسه ترك ليماني مصاعب لهجة بربرية وهو يبشر بالانجيل أهالي الغال، ويقال أن الوحى الالهى سواء جاء على شكل رؤيا في اليقظة أو في المنام ، إنما هو منحة ينعم بها في سخاء على مختلف طبقات المؤمنين : على النساء والشيوخ وعلى الأولاد وعلى الأساقفة ، سواء بسواء ، فاذا تهيأت عقولهم إلى حد كاف ، عن طريق منهج من الصلوات والصوم وقيام الليل من التلقى هذا المحرك الخارق ، غابوا عن حواسهم ونقلوا في نشوة كل ما أوحى اليهم ، بوصفه جوارح من الروح القدس ، مثلهم فى ذلك مثل المزمار أو الناي ، فهو جزء لا يتجزأ عمن ينفخ فيه . ويمكن أن نضيف أن القصد من هذه الرؤى كان في الكثير الغالب ، إما كشف الستار عن غيب التاريخ المستقبل للكنيسة ، أو توجيه إدارتها الحالية . أما طرد الشياطين من أجسام أولئك التعساء الذين كان مسموحا للشياطين بتعذيبهم ، فقد أعتبر علامة على الدين ، ولو أنه انتصار عادي له ، وكم من مرة فسره المدافعون القدامى عن الدين بأنه أعظم دليل مقنع على صدق المسيحية ! وكانت العملية البشعة تتم فى حفل عام ، وبحضور عدد كبير من النظارة وكانت سلطة طارد الأرواح الشريرة أو مهارته تخلص المريض من الشيطان ، وكان الشيطان يعترف بصوت مسموع أنه كان أحمد الآلهة الكافية القديمة ، التي فرضت غصبا وكفرا على البشر عبادتها بيد أن شفاء الأمراض المستعصية أو الشاذة الى أبعد حد ، لم يعد يدعو الى العجب أو الدهشة ، اذا تذكرنا أنه في أيام ايرينوس ، حوالی أواخر القرن الثاني الميلادي ، كان إحياء الموتى أبعد ما يكون عن اعتباره حدثا غير عادى ، وأن هذه المعجزة كثيرا ما تمت في المناسبات الضرورية ، بالصوم الكبير واشتراك الكنيسة المحلية في التضرعات ، وأن الأشخاص الذين استعادهم هؤلاء الضارعون عاشوا بعد ذلك بين ظهرانيهم سنوات طوالا . وفى مثل هذه الحقبة التي استطاع الإيمان فيها أن يفاخر بانتصاراته العجيبة على الموت ، يبدو من العسير أن نعلل تشكك أولئك الفلاسفة الذين ظلوا ينكرون ويسخرون من نظرية البعث . وقد ركز أحد نبلاء اليونان كل جدله في هذه النقطة الحساسة


٢٥٢





الخطيرة ، ووعد توفيلويس أسقف انطاكية باعتناق المسيحية فورا ، إذا سمح له برؤية فرد واحد بعث حيا بالفعل . وقد يكون جديرا بالذكر ، الى حد ما ، أن مطران الكنيسة الشرقية الأولى ، رغم تلهفه على تحويل صديقه إلى المسيحية ، رأى من الحكمة أن يزوغ من هذا التحدى المعادل المعقول


وبعد أن اكتسبت معجزات الكنيسة الأولي علي مر العصور سندا ومنعة ، هوجمت مؤخرا ، في استقصاء حر بارع يبدو أنه أثار - رغم أن الناس قابلوه بترحاب بالغ - فضيحة عامة بين رجال كنيستنا وبسائر الكنائس البروتستانتية في أوربا .

 وسوف تتأثر نظيراتها إلى هذا الموضوع بأية حجج أو مناقشات معينة ، أقل كثيرا منها بعاداتنا في البحث والدرس والتأمل ، وفوق كل شيء بقيمة الدليل الذي تعودنا على أن نتطلبه لإثبات حادثة معجزة . ولا يقتضى واجب المؤرخ منه أن يقدم رأيه الخاص في هذه المشادة الحساسة الهامة ، ولكن ينبغي عليه ألا يغض الطرف عن الصعوبة التي تعترض تبنى نظرية توفق بين مصلحة الدين ومصلحة العقل ، وإجراء تطبيق سليم لتلك النظرية ، وتعيين حدود هذه الحقبة السعيدة بدقة ، تلك الحقبة التي خلت من الخطأ ومن الغش ، والتي قد نميل الى أن نخلع عليها هبة القوى الخارقة للطبيعة. فقد تعاقبت بلا انقطاع - منذ أول الآباء الى آخر البابوات - سلسلة من الأساقفة والقديسين والشهداء والمعجزات ، وكان تقدم الخرافة متدرجاً ، ويكاد يكون غير ملحوظ ، الى حد أننا لا نعرف في أية نقطة معينة يمكن أن تحطم أغلال العرف . وإن كل عصر ليحمل شاهدا على الأحداث العجيبة التي يتميز بها ، ولا يبدو هذا الشاهد أقل وزنا وتقديرا من شاهد الجيل السابق ، حتى أدى بنا الأمر ، دون أن نشعر أو نحس الى إتهام أنفسنا بالخفة والتقلب ، اذا كنا في القرن الثامن أو القرن الثاني عشر نذكر على الأب المحترم بيد Bede ، أو القديس برنار » Bernard تلك الدرجة من الثقة التي أوليناها ، في سخاء ، في القرن الثاني ، لجوستين أو ايرينوس (۱) . وإذا قدرت صحة كل من المعجزات على أساس فائدتها ولياقتها الظاهرتين ، فقد كان في كل عصر منكرون لإقناعهما وهراطقة لتفنيد آرائهم ، وأمم وثنية لهدايتها ، كما كانت هناك بواعث يمكن ابتداعها لتبرير تدخل السماء ، على انه اذا


(1) قد يبدو جديرا بالذكر أن برنار ) من بلدة كلير في Clairvaux) الذي سجل كثيرا من معجزات صديقه القديس مالاتشى، لا يذكر شيئا عن معجزاته هو نفسه ، على أنها بدورها قد رواها في عناية تامة رفاقه وتلاميذه . وهل يوجد في سلسلة التاريخ الكنسي الطويل مثال واحد لقديس يثبت لنفسه موهبة الاتيان بالمعجزات ؟


٢٥٣





كان كل صديق للوحى موقنا بصحة قوى المعجزات وكل رجل عاقل مقتنعا بتوقفها ، فواضح أنه لابد كانت هناك فترة من الفترات انسحبوا اما فجأة أو تدريجا من الكنيسة المسيحية . وأيما فترة اختيرت لهذا الغرض : موت الحواريين ، أو تحول الامبراطورية الرومانية ( الى المسيحية ) ، أو خمود الهرطقة الأريوسية (1) . فان بلادة شعور المسيحيين الذين عاشوا في تلك الأيام مثار للدهشة الحقة بنفس القدر. فانهم ظلوا يعززون مزاعمهم بعد فقدان قوتهم ، فقد أدت سرعة التصديق أو سلامة النية مهمة الإيمان ، ورخص للتعصب في انتحال لغة الوحي ، ونسبت نتائج المفاجآت أو الحيل إلى أسباب خارقة للطبيعة . وكان لابد لتجربة المعجزات الحقيقية الأصيلة الحديثة أن تكون قد علمت العالم المسيحى طرق العناية الإلهية ، وراضت عيونهم . ( اذا جاز لنا أن نستعمل تعبيرا ناقصا كثيرا ) على أسلوب الفنان « الإلهي » واذا اجترأ اليوم أبرع فنان في إيطاليا الحديثة على أن يمهر رسومه المقلدة الضعيفة باسم رافائيل أو اسم كورجيو Correggio ، فما أسرع ما يكتشف هذا الاحتيال الوقح ، ويرفض في ازدراء ! .


ومهما يكن من رأى فى معجزات الكنيسة الأولى في صدر المسيحية على عهد الحواريين ، فان هذه النعومة المستسلمة البارزة بروزا عظيما في طبع المؤمنين في القرنين الثاني والثالث أثبتت أنها ذات فائدة طارئة لقضية الحق والدين .. فثمة شك دفين ، بل قهرى لا إرادي ، يلازم في العصور الحديثة أكثر الناس نزوعا الى التقى والورع . فإن اقرارهم بالحقائق الخارقة للطبيعة إنما هو رضا جاد أقل كثيرا منه اذعانا فاترا وسلبيا . وإن درجنا منذ زمن طويل على أن نلحظ ونحترم النظام الثابت « للطبيعة » فان عقلنا ، أو على الأقل تصورنا ليس مهياً بدرجة كافية لاحتمال العمل المرئى « للاله » ولكن موقف الجنس البشرى في العصور الأولى للمسيحية كان مختلفا كل الاختلاف . فان أكثر الناس فضولا أو أسرعهم تصديقا بين الوثنيين غالبا ما كانوا يحملون على الدخول في مجتمع أكد وأقر الدعوى الفعلية لقوى المعجزات . لقد وطنت أقدام المسيحيين الأولين دوما أرض الأسرار والغموض ، وألفت عقولهم تصديق أكثر الحوادث شذوذا وغرابة . وشعروا أو تصوروا أن الشياطين كانت دون انقطاع تلاحقهم من كل جانب كما


(1) غالبا ما يحدد البروتستانت، عادة، هذه الفترة بتحول قسطنطين الى المسيحية . ولا يرتضى أكثر رجال الدين تعقلا اقرار معجزات القرن الرابع ، على حين لا يرتضى أكثرهم سذاجة أن ينكروا معجزات القرن الخامس


٢٥٤





كانت الأشباح تدخل السكينة على قلوبهم ، والنبوءات تهديهم ، وابتهالات الكنيسة تنقذهم من الخطر وتبرئهم من العلة بل وتخلصهم من براثن الموت نفسه بشكل يدعو الى العجب . إن المعجزات أو الكرامات الحقيقية أو الوهمية التي كثيرا ما رأوا أنهم كانوا هم أنفسهم أهدافا أو أدوات لها ، أو شهودا عليها ، جنحت بهم ، في سعادة غامرة الى أن يتبنوا ، بنفس القدر من السهولة واليسر ، ولكن بقدر أوفر كثيرا من الإنصاف والحق ، العجائب الموثوقة الأصيلة في تاريخ الإنجيل ، ومن ثم فإن المعجزات التي لم تتعد نطاق تجربتهم وممارستهم ، أوحت إليهم بأن يؤكدوا ويؤمنوا إلى أبعد حد بالأسرار التي اعترف بأنها تجاوز حدود إدراكهم . ان هذا الأثر العميق للحقائق الخارقة للطبيعة هو الذي عرفوه وعظموه تحت اسم الإيمان وهو حالة من حالات العقل وصفت بأنها أكبر ضمان لرضوان الله وللسعادة في الآخرة وأوصوا بها على أنها أول ميزة ، أو قل انها الميزة الوحيدة ، التي يتحلى بها المسيحي . ومن رأى العلماء الذين هم أكثر تشددا لمن الفضائل الأخلاقية التي قد يتحلى بها الكافرون - على هذا النسق سواء بسواء - مجرد من أية قيمة أو فاعلية ، فيما تأخذ به من تبريرات




تعليقات