۲ - عقيدة الحياة الآخرة :
تمثل كتابات شيشرون ، بأجلى بيان ، جهل الفلاسفة القدامي وأخطاءهم وترددهم فيما يتعلق بخلود الروح . فإنهم عندما كانوا يرغبون في تحصين حوارييهم ضد الخوف من الموت كانوا يقررون ولو أن ما يقولون واضح ، ولكنه محزن ، إن هذه الضربة القاضية التي تصيبنا أي الموت أنها تخلصنا من نوائب الحياة، وأن الموتى لن يقاسوا منها بعد موتهم. على أنه كان هناك نفر قليل من حكماء الإغريق والرومان، تبينوا فكرة أسمى، ومن بعض الوجوه أصدق، عن الطبيعة البشرية، رغم أنه يجب الاعتراف بأنه في هذا البحث الجليل كان خيالهم يوجه منطقهم، وأن غرورهم كان يلهب خيالهم. إنهم لما نظروا في ارتياح الى مدى قواهم العقلية، ومارسوا مختلف قوى الذاكرة والخيال، والحكم على الأشياء، في أعمق التأملات وفي أشق الأعمال، وتملكتهم الرغبة في الشهرة التي سبحت بهم في آفاق المستقبل، وراء حدود المنايا والقبور، لم يرتضوا أن يحشروا أنفسهم في زمرة حيوانات الحقل، أو يفترضوا أن الكائن الذي أبدوا أعظم الأعجاب وأصدقه بجلاله ووقاره، يمكن أن يوارى في حفرة ضيقة من الأرض، وأن يحدد وجوده بسنوات معدودات من العمر. وفي غمرة هذا التحيز السائغ أهابوا بعلم الميتافيزيقا، أو على الأصح بلغتها، لنجدتهم. وسرعان ما اكتشفوا، حيث أن أيا من خواص المادة لا تنطبق على عمليات العقل - اكتشفوا أن الروح الإنسانية لا بد أن تكون تبعا لذلك شيئا متميزا عن الجسم، شيئا نقيا بسيطا روحيا، غير قابل للتحلل أو الفناء، حساسا لأكبر قدر من الفضيلة والسعادة بعد تخلصه من سجنه الجسدى.
ومن هذه المبادىء النبيلة الخداعة خرج الفلاسفة الذين تأثروا خطى أفلاطون بنتيجة لا مبرر لها، حيث أكدوا، لا مجرد الأبدية الآخرة فحسب، بل كذلك الأزلية السابقة للروح البشرية التي تقبلوا بأحسن القبول اعتبارها جزءا من الروح السرمدية الموجودة بنفسها وجودا ذاتيا، والتي تعم الكون وتدعمه. وقد تجدى
٢٤٥ الحياة الآخرة
…..
مثل هذه النظرية التي جاوزت مجال الحواس والتجربة البشرية في شغل فراغ عقلية فلسفية، أو أنها، في سكون العزلة قد تضفى شيئا من الراحة على قلب إنسان فاضل تولاه القنوط فخارت عزيمته .. ولكن سرعان ما محا معترك الحياة الجادة ومشاغلها أثر البصمات الباهتة التي تركتها هذه النظرية في المدارس.
وإنا لنعرف حق المعرفة الأشخاص الأفذاذ الذين نبغوا في عصر شيشرون والقياصرة الأوائل، ونحن على بينة من أعمالهم وشخصياتهم وبواعثهم، مما يؤكد لنا أن سلوكهم في هذه الحياة لم يصدر عن أى اقتناع جازم بثواب أو عقاب في الحياة الآخرة، ولم يخش أبرع الخطباء في ساحة المحكمة أو السناتو في روما أن يسيئوا إلى سامعيهم بالتعريض بهذه النظرية على أنها رأى فج متطرف ينبذه في ازدراء أى رجل متحرر في تعليمه وفى فهمه للأمور .
فلما لم تستطع الجهود الفائقة للفلسفة أن تخطو الى أكثر من الاشارة الباهتة الى الرغبة أو الأمل ، أو على الأقل احتمال حياة مستقبلة) ما بعد الموت ( فإنه لم يعد هناك إلا وحي إلهي يمكن أن يؤكد وجود عالم غير مرئي مخصص لاستقبال أرواح الناس بعد انفصالها عن أجسادهم ويصف الأحوال في ذاك العالم المجهول. ولكنا نلمس في الديانات المعروفة في اليونان وروما عدة نقائص كامنة فيها جعلتها عاجزة عن الاضطلاع بهذه المهمة العسيرة :
1 - ذلك أن الأسلوب العام في أساطيرهم لم تعززه أية براهين قاطعة، بل أن أعقل الوثنيين قد أنكر بالفعل على هذه الأساطير سلطانها المغتصب
۲ - أما وصف جهنم فقد تركوه لخيال الرسامين والشعراء الذين حشدوا فيها الكثير من الأطياف وغرائب الوحوش التي وزعت ثوابها وعقابها في شيء يسير من المساواة والانصاف، إلى حد أن هذا الخليط السخيف من أشد الأوهام والأباطيل جموحا ووحشية أزرى بالحق الصراح وضيق عليه الخناق، على حين أنه أحب شيء الى قلب الإنسان
- وندر أن أعتبر المشركون الأتقياء في اليونان وروما نظرية الحياة الثانية » ركنا أساسيا من أركان الإيمان. فإن عناية الآلهة، بوصفها تتعلق بالجماعات العامة أكثر منها بأفراد خاصين بذواتهم، تجلت على المسرح الظاهر للحياة الراهنة. فقد عبرت الابتهالات والتوسلات التي كانت تقدم على مذابح جوبيتر وأبولو عن تلهف
٢٤٦
عبادها على السعادة الدنيوية، وعن جهلهم أو عدم اكتراثهم بالحياة المستقبلة. أما في الهند وآشور ومصر والغال، فقد أشربت القلوب الحقيقة الهامة المتعلقة بخلود الروح بدرجة أكبر من المثابرة والنجاح، ولما كنا لا نستطيع أن ننسب الفارق الى علو كعب المتبربرين في المعرفة، فإنه لجدير بنا أن نرجعها إلى نفوذ الكهنة الوطيد الذي استخدم بواعث الفضيلة بمثابة وسائل لتحقيق أطماعهم
وطبيعي أن نتوقع أن يتكشف هذا المبدأ الأساسي في الديانة بأجلى معانيه للشعب المختار في فلسطين، وأن يعهد به الى كهنة هارون الوراثيين .. وكان حتما مقضيا علينا أن نعبد النواميس الخفية للعناية الالهية، على حين نكتشف أن نظرية خلود الروح ليس لها وجود في شريعة موسى، لقد أقحمها الرسل خلسة، وفى الفترة الطويلة التي انقضت بين الاستبعاد فى مصر وفى بابل، يبدو أن آمال اليهود ومخاوفهم معا كانت محصورة في الدائرة الضيقة للحياة الراهنة وبعد أن رخص كورش (۱) للأمة المنفية في العودة الى الأرض الموعودة، وبعد أن استرد عزرا (۲) Ezra السجلات القديمة للديانة، نشأت في أورشليم ، بطريقة غير ملحوظة ، طائفتان مشهورتان : الصدوقيون Sadducees والفريسيون Pharisees . والتزم الأولون - وهم من أغنى وأبرز طبقات المجتمع التزاما شديدا بالمعنى الحرفي الشريعة موسى، وانكروا، عن ورع وتقى، خلود الروح، باعتباره فكرة ليس لها سند في الكتاب المقدس الذي يجلونه بوصفه الركيزة الوحيدة لعقيدتهم. وأضاف الفريسيون الى سلطان الاسفار المنزلة سلطان التقاليد والأعراف، حيث تقبلوا باسم التقاليد والأعراف، بعض الأفكار النظرية في فلسفة الأمم الشرقية أو في ديانتها، وكانت في عداد هذه الأركان الجديدة للعقيدة نظريات القضاء والقدر، والملائكة والأرواح، والحياة الثانية بما فيها من ثواب وعقاب.
ولما كان الفريسيون، نتيجة لصرامة سلوكهم، قد جذبوا إلى صفوفهم جمهرة الشعب اليهودي، فقد أصبح خلود الروح هو الشعور السائد في المجتمع اليهودي تحت حكم ملوك الأزمونيين Asmonaenoena وأحبارهم. وعجز مزاج اليهود عن أن يتقبل مثل هذا التوافق الواهي الفاتر الذي ترتضيه عقلية المشركين، فلما أقروا فكرة الحياة المستقبلة، اعتنقوها بالغيرة التي شكلت دائما
٢٤٧
………
خاصية الأمة. ولكن غيرتهم على أية حال لم تضف عليها شيئا من الوضوح، أو حتى احتمال وجودها. وظلت نظرية الحياة والخلود التي فرضتها الطبيعة وأقرها المنطق، ورحبت بها الخرافة، في حاجة إلى ضمان وسند حقيقة إلهية ترجع إلى المسيح والمثل الذي ضربه هو نفسه ولما وعد الناس بالنعيم الأبدى، شريطة الإيمان واتباع تعاليم الإنجيل، فليس من عجب في أن تتقبل أفواج كبيرة من كل دين ومن كل طبقة ومن كل ولاية فى العالم الروماني، هذا العرض الكريم.
لقد ألهب المسيحيين الأقدمين احتقارهم لحياتهم الدنيا، وثقتهم الحقة بالخلود الذي لا يستطيع الإيمان الضعيف المزعزع في العصور الحديثة أن يعطينا أية فكرة وافية عنه. وأثر الحق بشكل قوى في الكنيسة الأولى، نتيجة رأى، مهما كان جديرا بالاحترام لنفعه وقدمه، وجد أنه لا يلتئم مع الخبرة والتجربة.
لقد ساد الاعتقاد بأن نهاية العالم وملكوت الرب وشيكتا المجيء. وتنبأ الرسل بقرب وقوع هذا الحدث العجيب، وقد احتفظ تلاميذهم الأولون بهذا النبأ العظيم، واضطر أولئك الذين فهموا أحاديث المسيح بمعناها الحرفي أن يرقبوا في السحب عودة « ابن الانسان » عودة مجيدة ثانية، قبل أن ينقرض تماما هذا الجيل الذي شهد حياته المتواضعة على الأرض، والذي قد يظل شاهدا على ما أصاب اليهود من كوارث على عهد فسبازيان وهادريان. وقد علمتنا ثورة الفكر في القرون السبعة عشر ألا نعتمد كثيرا على لغة النبوة والوحي الخفية الغامضة، ولكن طالما سمح - ومن أجل أغراض حكيمة - بأن يعيش هذا الخطأ في الكنيسة، فانه أسفر عن خير الآثار على عقيدة وأعمال المسيحيين الذي عاشوا في هذا الترقب الرهيب لتلك اللحظة التي ترتعد فيها فرائص الكرة الأرضية والجنس البشرى بأجمعه لظهور قاضيهم الإلهي
وكانت النظرية القديمة المعروفة، ( نظرية العصر الألفى السعيد »، مرتبطة ارتباطا وثيقا بعودة المسيح ثانية إلى الأرض. ولما كان خلق الدنيا قد تم في ستة أيام، فإن بقاءها على حالتها الراهنة قد تحدد بستة آلاف سنة، كما جاء فى تواتر منسوب الى ايليا (Elijah) ) أحد أنبياء بنى إسرائيل في القرن التاسع قبل الميلاد ) . واستدل بنفس هذا القياس على أن هذه الفترة الطويلة من الكد والصراع - والتي انقضى الآن معظمها - سوف تعقبها راحة ( سبت ) بهيجة مرحة مقدارها ألف سنة، وأن المسيح، مع زمرة القديسين الظافرين والصفوة الذين
٢٤٨
نجوا من الموت أو الذين بعثوا الى الحياة بمعجزة، سيحكم على الأرض حتى يحين الموعد المقرر ليوم البعث النهائي أو العام، وكم كان هذا الأول سارا لعقول المؤمنين الى حد أن « أورشليم الجديدة » مقر هذه المملكة المنعمة سرعان ما صورها الخيال في أبهى زينة وأبهج حلة.
ومثل هذه الجنة الهانئة التي لا تنطوي إلا على اللذة الطاهرة البريئة الروحية فحسبي، قد تبدو في أعين ساكنيها أنقى مما يحتملون، إذ المفروض فيهم أنهم لا يزالون على طبيعتهم البشرية مالكين لحواسهم الإنسانية . وأن جنة عدن بما فيها من ملذات تصلح لبيئة المراعي لم تعد تصلح للمجتمع الذي هو أكثر تقدما ورقيا، والذي ساد الإمبراطورية الرومانية ومن ثم شيدت مدينة من ذهب وأحجار كريمة ومنح للبقعة المجاورة لها كل ما تشتهيه الأنفس من غلال وخمر، في وفرة خارقة، يتمتع السعداء الأخيار بنتاجها التلقائي تمتعا حرا لا يشوبه حقد ولا حسد، ولا تحجبه قيود الملكية الخاصة الممنوعة. وعنى توكيد البشرى بهذا العصر الألفي السعيد، وترسيخها في أذهان الناس سلسلة من الآباء ابتداء من جوستين الشهيد Justin Martyr و ايرنيوس Irenaeus اللذين تبادلا الحديث مباشرة مع تلاميذ الرسل والحواريين، حتى لاكنانتيوس Lactantius الذى كان معلما لابن قسطنطين. وربما أمكن القول بأنه من الجائز أن هذه الفكرة لم يتقبلها الجميع، إلا أنها كانت شعورا ملحا على صدور المؤمنين الأرثوذكس. كما يبدو أنها كانت تلتئم مع رغبات الإنسان وهواجسه، إلى حد أنها لابد أن تكون قد أسهمت بنصيب وافر فى تقدم العقيدة المسيحية. ولكن لما اكتمل صرح الكنيسة أو كاد، نحى هذا المسند المؤقت جانبا فقد أخذت نظرية حكم المسيح على الأرض في البداية على أنها مجاز عميق، ثم اعتبرت، بدرجات متفاوتة، رأيا عقيما مشكوكا فيه، ثم في النهاية رفضت على أنها بدعة سخيفة من صنع الهرطقة والتعصب. ونجت بأعجوبة من حكم الكنيسة، نبوءة خفية غامضة لا تزال تشكل جزءا من الشريعة المقدسة، ولكن كان المظنون أنها تظاهر العاطفة المتفجرة وتلتئم معها
وبينما وعد تلاميذ المسيح بالسعادة والمجد في الحكم الدنيوي، انذر الذين لا يؤمنون بالويل والثبور وعظائم الأمور. وتقدم تدعيم عقيدة أورشليم الجديدة جنبا الى جنب بنفس الخطى مع تدمير عقيدة بابل الغامضة. وطالما كان الأباطرة الذين حكموا قبل قسطنطين يصرون على الوثنية، فإن اسم بابل كان يطلق على مدينة روما وامبراطوريتها فقد أعدت سلسلة منتظمة من المصائب المادية والمعنوية
٢٤٩
التي يمكن أن تنزل بأمة مزدهرة : الاضطرابات الداخلية، غارات أعنف المتبريرين من الأقاليم الشمالية المجهولة، الوباء والمجاعة، النيازك والكسوف والخسوف، الزلازل والطوفان. وكان كل أولئك مجرد علامات ونذر أولى للكارثة العظمى التي تنزل بروما، حين تفنى بلد آل سكيبيو والقياصرة بدخان يغشاها من السماء، وتدفن مدينة التلال السبعة بقصورها ومعابدها وأقواس النصر بها، في بحيرة من نار وحمم.
ومهما يكن من أمر، فقد يكون لغرور الرومان وكبريائهم بعض العزاء في أن فترة امبراطوريتهم هي فترة حياة العالم نفسه، تلك الحياة التي أهلكها مرة عنصر الماء، ثم قدر لها أن تبتلى ثانية بدمار عاجل من عنصر النار. ولحسن الحظ تلاقت أمام فكرة الحريق العام عقيدة المسيحيين وعرف الشرق وفلسفة الرواقيين ومقاييس الطبيعة، بل إن البلد الذي اختير لدوافع دينية ليكون المصدر والمشهد الرئيسي لهذا الحريق، كان مهيأ على أحسن وجه لهذا الغرض لأسباب طبيعية ومادية بمغاراته السحيقة وطبقاته الكبريتية وبراكينه الكثيرة، وما اتنا وفيزوف وليبارى إلا أمثلة بسيطة لها. وما كان في مقدور أهدأ المتشككين وأشجعهم أن يرفض الاعتراف بأن تدمير النار للنظام الحالي للعالم، كان في حد ذاته محتملا الى أبعد حدود الاحتمال. وتوقع المسيحي الذي أسس إيمانه على حجج العقل المضللة، أقل كثيرا من إقامته على سلطان العرف وتأويل الأسفار المنزلة، توقع هذا الدمار في رهبة وثقة باعتباره حدثا أكيدا قريبا، ولما كان عقله ممتلئا دائما بهذه الفكرة المقررة، فإنه اعتبر كل مصيبة تحل بالامبراطورية بمثابة علامة محققة من علامات الساعة أو علامات انتهاء العالم.
إن رمي أعقل الوثنيين وأفاضلهم بالجهل أو عدم التصديق بالحقيقة الإلهية يبدو في العصر الحاضر إساءة وامتهانا للعقل والانسانية. ولكن الكنيسة الأولى التي كان إيمانها أثبت قواما حكمت دون تردد بالعذاب الأبدى على أكبر عدد من الجنس البشرى. وقد يكون هناك أمل كريم في التسامح مع سقراط أو بعض الحكماء الأقدمين الآخرين الذين استخاروا العقل قبل ظهور الانجيل، ولكن تأكد بالإجماع أن أولئك الذين أصروا في عناد، منذ ولادة المسيح أو وفاته، على عبادة الشياطين والجن، لا يستحقون، وليس لهم أن يتوقعوا، العفو من الإله الذي استثير غضبه. ويبدو أن هذه المشاعر القاسية التي لم تكن معروفة في العالم القديم نفثت روحا من المرارة فى نظام كان يسوده الحب والانسجام. وكثيرا ما مزق الخلاف في العقيدة الدينية روابط الدم
250٠٠
والإخاء والصداقة، ورأى المسيحيون أنهم يرزحون في هذه الدنيا تحت نير الوثنيين، فأضلهم أحيانا حنقهم وكبرياؤهم الروحي وأغوتهم نشوة الفرح بالانتصار في المستقبل. ويقول ترتوليان المتشدد . Tertullian متعجبا : ( انك مولع بالمشاهد ، فتوقع أعظم المشاهد في المحاكمة الأزنية الأخيرة، كم أعجب، كم أضحك ... كم أبتهج، كم أطرب واتهلل، حين أرى الكثير من الملوك المتكبرين والآلهة الوهمية يئنون في أعمق مهاوي الظلام، والكثير من الحكام الذين اضطهدوا اسم الله يذوبون في نار أشد سعيرا مما أشعلوا ضد المسيحيين، والكثير من الفلاسفة الحكماء يصلون مع تلاميذهم المخدوعين نارا حامية، وكثيرا من الشعراء المشهورين يرتعدون فرقا أمام محكمة المسيح - لا محكمة مينوس Minos، والكثير من الممثلين التراجيديين أكثر انسجاما في النغم تعبيرا عما يعانون، والكثير من الراقصين والراقصات ولكن انسانية القارىء قد تستميح لى العذر في إسدال الستار على بقية هذا الوصف الجهنمي الذي يسترسل فيه هذا الأفريقى فى مجموعة طويلة من الفكاهات المصطنعة المجردة من الشعور ..
ولا ريب فى أنه كان من بين المسيحيين الأولين كثيرون ذوو طبع أكثر التئاما وتوافقا مع وداعة عقيدتهم وما تدعو اليه من البر والمحبة، فكان هناك كثيرون ممن استشعروا الرحمة الخالصة لمصائب أصدقائهم وبنى وطنهم، وأحسوا بالغيرة الخيرة لانقاذهم من الدمار المحدق بهم أما المشرك الغافل الذي كانت تطارده الأهوال الجديدة غير المتوقعة التي لم يزوده كهنته أو فلاسفته بأى عاصم منها، فكثيرا ما أرهبه وأخضعه التهديد بالعذاب الأبدى. وربما ساعدت مخاوفه على النهوض بعقيدته وعقله، وإذا حمل نفسه يوما على الظن بأن الدين المسيحي قد يكون صحيحا صادقا، ربما بات من السهل إقناعه بأنه أسلم وأحكم عقيدة يمكن أن ينضم إليها
-۳ قوى المعجزات في الكنيسة الأولى :
