نشوء مراسم البلاط
كان أمراء الرومان ، من عهد أوغسطس الى عصر دقلديانوس يتحدثون بشكل عادى مألوف مع بني وطنهم ، الذين كانوا يحيونهم ويسلمون عليهم بنفس الإجلال الذي حيوا عادة به شيوخ السناتو والقضاة والحكام ، ليس غير .
وكان امتيازهم الأساسي يتمثل في الحُلة الإمبراطورية الأرجوانية، على حين تميز رداء الشيوخ بشريط عريض ، ورداء العسكرية بشريط ضيق ، من نفس هذا اللون الممتاز .
وزين الغرور ، أو بالأحرى السياسة ، لهذا الأمير الداهية إدخال نظام بلاط فارس بما فيه من فخامة وأبهة وسناء .
وتجاسر فاتخذ لنفسه التاج ، وهو عبارة عن حلية مقتها الرومان بوصفها رمزا كريها للملكية ، كما اعتبروا استخدام كاليجولا له ذروة الجنون والجرأة .
ولم يعد التاج أن يكون عصابة عريضة بيضاء مرصعة باللآلىء تحيط برأس الامبراطور.
وكانت الملابس الفاخرة لدقلديانوس وخلفائه تتخذ من الذهب والفضة ، وكان الملحوظ ، مع أشد الاستياء ، أنه حتى أحذيتهم كانت مرصعة بـ أثمن الجواهر . وكان الوصول الى أشخاصهم المقدسة يزداد صعوبة يوما عن يوم ، بابتداع الأشكال والمراسم الجديدة . وكانت تقوم على حراسة مداخل القصر ، حراسة شديدة ، طوائف - بدءوا يسمونها مدارس من الضباط المحليين ،أما الغرف والحجرات الداخلية فقد عهدوا بحراستها الى يقظة الخصيان ، تلك التي تتسم بالحقد والغيرة ، وكان تزايد عدد هؤلاء الخصيان ونفوذهم ، أصدق أعراض تفاقم الاستبداد . فإذا حظي أي فرد من الرعية ، في النهاية بالمثول بين يدى الإمبراطور ، كان عليه ، مهما كانت مكانته أو مقامه ، أن يخر الى الأرض ساجدا ، وأن يسبح ، وفقا للطريقة الشرقية ، بقداسة سيده ومولاه . وكان دقلديانوس رجلا فطنا حسن الإدراك ، عرف لنفسه قدرها ، كما عرف للناس أقدارهم ، بالعدل والقسطاس ، في مجال الحياة الخاصة والحياة العامة ، سواء بسواء ، كما أنه ليس من السهل أن تتصور أنه كان في احلاله العادات الفارسية محل عادات روما ، مدفوعا اندفاعا جديا بمبدأ وضيع مثل مبدأ الزهو أو الغرور
انه كان يعلل النفس بأن التظاهر بهذه الفخامة والأبهة والشرف قد يقهر خيال الجماهير ، وأن الملك قد يكون أقل تعرضا للاباحية السمجة في الشعب والجيش ، اذا احتجب شخصه عن الأنظار العامة ، وأن عادة الخضوع والخنوع لابد أن تنبثق بطريقة غير ملحوظة عن مشاعر الإجلال والاحترام. على أن الحالة التي ظهر عليها دقلديانوس ، مثل التواضع الذي اصطنعه أوغسطس ، لم تكن الا تمثيلا
٢١٤
مسرحيا ، ولكن لابد أن نعترف بأن المهزلة الأولى التي مثلها أوغسطس كانت ذات طابع أكثر رجولة وسخاء من تلك التي مثلها دقلديانوس فيما بعد ، لقد كان هدف الواحدة أن تخفى وتستر ، على حين كان غرض الثانية أن تكشف وتعرض ، السلطان المطلق غير المحدود الذي كان للأباطرة في العالم الروماني
وكان حب الظهور أول مبادىء النظام الجديد الذي استنه دقلديانوس . أما الثاني فكان التقسيم ، فقسم الامبراطورية والولايات وكل فرع من فروع الإدارة المدنية أو العسكرية .
فضاعف عجلات الأداة الحكومية ، وجعل عملياتها أقل سرعة ولكن أكثر سلامة وأمنا . ومهما كان من مزايا أو مساوىء هذه المبتكرات فانه يجدر أن ننسبها - الى حد كبير - الى المبدع الأولى ، ولكن الأمراء المتعاقبين حسنوا وأكملوا على مر الأيام الإطار الجديد للسياسة ، ومن ثم كان من الأوفق ارجاء دراستها حتى يتم نضجها واكتمالها . وما دمنا استبقينا لعصر قسطنطين الصورة الأدق للامبراطورية الجديدة ، فاننا نكتفى بوصف التخطيط الرئيسي الحاسم الذي سعى اليه دقلديانوس . لقد أشرك في ممارسة السلطة العليا ثلاثة من الزملاء ، ولما كان مقتنعا بأن قدرات أي فرد واحد لا تكفى للاضطلاع بعبء الدفاع العام ، فانه اعتبر الادارة المشتركة للأمراء الأربعة ، لا مجرد وسيلة مؤقتة ، بل قانونا أساسيا في الدستور. وكان من رأيه أنه يجب تمييز الأميرين الأكبرين باستخدام التاج ولقب أوغسطس ، وأن يختارا بانتظام لمعاونتهما ، حبا أو تقديرا ، زميلين تابعين ، وأن يرقى هذان القيصران بدورهما الى المرتبة الأولى أوغسطس ( بحيث لا ينقطع تعاقب الأباطرة . وقسمت الإمبراطورية الى أربعة أجزاء ، كان الشرق وإيطاليا أشرف المراكز ، والدانوب والراين اشقها . وتطلب الأولان وجود أوغسطس ، على حين عهد بادارة الآخرين الى القيصرين . وكانت قوة الجيش موزعة بين شركاء السيادة الأربعة . وقد يحد من طموح أى قائد متطلع يأسه من قهر المنافسين الأربعة الأشداء الواحد بعد الآخر - وكان المفروض - فيما يتعلق بالحكومة المدنية ، أن يمارس الامبراطوران سلطة الحاكم التي لا تتجزأ ، وأن أوامرهما الممهورة بتوقيعيهما تتلقاها الولايات وكأنها صادرة عن مجالسهما وسلطاتهما المتبادلة . ورغم هذه الاحتياطات ذابت الوحدة السياسية في العالم الروماني شيئا فشيئا ، وساد مبدأ التقسيم الذي كان ، في بضع سنين قلائل ، سببا في الفصل الدائم بين الامبراطوريتين الشرقية والغربية
٢١٥
- و اقترن نظام دقلديانوس بعيب آخر هام جدا ، لا يمكن التغاضى عنه
جملة واحدة حتى في الوقت الحاضر ،
وهو فداحة تكاليف الإدارة الحكومية ، وتفاقم الزيادة في الضرائب ، وظلم الشعب . وبدلا من أسرة متواضعة من العبيد والأحرار، مثل تلك ارتضتها بساطة عظمة أوغسطس وتراجان ، شيد بلاط فخم فى ثلاثة أو أربعة أركان من الامبراطورية ، وتطاحن عدد من ملوك الرومان بعضهم مع بعض ومع ملك الفرس على التفوق العاطل العقيم فى مجال الأبهة والبذخ . وتضاعف بشكل لم يسبق له مثيل في العصور الخوالي -- عدد الوزراء والحكام والموظفين والخدم ، لملء مصالح الدولة واداراتها . واذا جاز لنا أن نستعير عبارة حماسية لأحد المعاصرين ، فهو يقول : ( اذا رجحت نسبة أولئك الذين يأخذون نسبة من يعطون ، فقد وقع على الولايات حيف كبير من فداحة الجزية » وقد يكون من الميسور أن نستنتج ، منذ هذه الفترة حتى سقوط الامبراطورية ، سلسلة لا تنقطع من الصرخات والشكاوى . ويختار كل مؤرخ ، تبعا لديانته وموقفه ، واحدا من هؤلاء موضوعا لذمه ولعنته : دقلديانوس ، أو قسطنطين ، و فالمينس أو تيوديسيوس ، ولكنهم متفقون بالاجماع على تصوير ثقل التكاليف المفروضة على الناس ، وبخاصة ضريبة الأرض وضريبة الرأس ، على أنهما الحيف المتفاقم الذي لا يحتمل في أيامهم ، ولا شك في أن المؤرخ النزيه المتجرد المضطر إلى استخلاص الحقيقة من بين سطور القدح والمدح أو التهكم والثناء على حد سواء ، سيتجه الى توزيع اللوم على هؤلاء الأمراء المتهمين جميعهم ، وأن يرجع هذا الابتزاز والاغتصاب الى أسلوبهم الموحد في الإدارة أقل كثيرا مما ينسبه الى مساوئهم الشخصية. والحق أن الامبراطور دقلديانوس كان منشىء هذا النظام ، ولكن في أثناء حكمه كانت بذور الشر محصورة داخل نطاق من التواضع والحزم ، فهو يستحق اللوم على وضع هذه السوابق الخبيثة أكثر منه على ممارسة الظلم والجور فعلا . وقد نضيف أن تصرفه في موارده كان يتسم بالاقتصاد والتدبر والحرص ، وأنه قد تبقى في الخزائن الإمبراطورية ، بعد سداد المصروفات الجارية ، رصيد للسخاء المعتدل الحكيم ، أو لأية ملمة طارئة تنزل بالدولة
.jpg)