خمسة أسباب لنمو المسيحية. من كتاب اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها للمؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبونْ فصل 15.






 الفصل الخامس عشر


خمسة أسباب لنمو المسيحية : الظروف المواتية لتقدمها


أعداد المسيحيين الأولين وأحوالهم


قد يعتبر البحث الصادق المنطقى لتقدم المسيحية واستقرارها من أهم الموضوعات في تاريخ الإمبراطورية الرومانية . وفي الوقت الذي تعرض فيه هذا الكيان الضخم للعنف السافر أو قوضه الانحلال البطيء ، تسلل في خفة ورقة الى أذهان الناس دين نقى متواضع ، ونما في صمت وخفاء ، واستمد من التصدى له عزما جديدا . وكتب له في النهاية أن يرفع الصليب الظافر فوق أطلال الكابيتول . ولم يكن أثر المسيحية مقصورا على عصر الإمبراطورية الرومانية وفي نطاق حدودها، فما تزال تعترف بهذا الدين - بعد ثورة دامت ثلاثة عشر أو أربعة عشر قرنا ، أمم أوربا ، وهى أبرز بنى الإنسان فى الفنون والعلوم والحرب ، على حد سواء . وبفضل حماسة الأوربيين وجدهم انتشر بسرعة الى أقصى شواطىء آسيا وأفريقية ، وعن طريق المستعمرات تركز واستقر من كندا إلى شيلى ، فى عالم لم يكن يعرفه الأقدمون


ومهما كان هذا البحث نافعا وطريفا فإنه تكتنفه صعوبتان ، فإن مواد التاريخ الكنسى الهزيلة الضئيلة المشكوك فيها ، لا نكاد نستطيع معها أن نبدد الغيوم الحالكة التي تتلبد في سماء العصر الأول للكنيسة .


وكثيرا ما يضطرنا قانون التجرد والنزاهة العظيم الى الكشف عن مثالب المعلمين غير الملهمين والمؤمنين بالإنجيل ، وقد يبدو للمراقب المستهين أن اخطاءهم تلقى ظلا على العقيدة التي يقرونها . ولكن خزي المسيحي التقي ، والظفر الكاذب للكافر ، لابد أن ينقضيا حالما يتذكران : من


۲۳۱

………….

أنزل الوحي الإلهي ، وكذلك إلى من نزل هذا الوحي . وقد ينصرف عالم اللاهوت إلى المهمة الحبيبة السارة، مهمة وصف الديانة كما نزلت من السماء ترفل في حلل الطهر والنقاوة .

ولكن هناك واجبا أشد حزنا وكآبة ملقى على عاتق المؤرخ ، فإن عليه أن يميط اللثام عن الخليط المحتوم من الخطأ والفساد اللذين علقا بالديانة في إقامتها الطويلة على الأرض بين جماعة ضعيفة منحلة من البشر


ومن الطبيعي أن يحدونا حب الاستطلاع الى تقصي الوسائل التي أحرزت بها العقيدة المسيحية هذا النصر المؤزر على الديانات القائمة في الأرض .

وقد يرد جوابا واضحا مرضيا عن هذا التساؤل ، القول بأن هذا يرجع الى البرهان المقنع في العقيدة نفسها ، وإلى التدبير المحكم المكين لمنشئها العظيم. 


ولما قل أن يجد الحق والمنطق ترحيبا في هذا العالم ، ولما اقتضت حكمة العناية الإلهية أن تتنازل فتتخذ من أهواء الناس ومشاعرهم ومن الظروف العامة المحيطة بالجنس البشري، أدوات

لتحقيق أغراضها، فإنه ما يزال يحق لنا أن نتساءل في الواقع - مع التسليم اللائق - لا عن الأسباب الأولى ، بل عن الأسباب الثانوية للنمو السريع للكنيسة المسيحية . وربما يبدو أن الأسباب الخمسة الآتية قد ساندتها مساندة صادقة وعاونتها معاونة فعالة .


1 - غيرة المسيحيين التي لا تلين ، وبالأحرى ، الغيرة المتعصبة ) اذا جاز لنا أن نستعمل هذا التعبير، والحق أن هذه الغيرة مأخوذة عن الديانة اليهودية ، ولكنها خلت وتطهرت مما كان يشوب هذه الديانة من روح ضيقة انعزالية غير اجتماعية أبعدت الأمميين ( غير اليهود ) عن شريعة موسى بدلا من جذبهم إليها


2 - نظرية الحياة الآخرة، وقد عضدتها كل الظروف الإضافية التي يمكن أن تضفي على هذه الحقيقة الهامة قيمة وفعالية . 


3- قوى الإعجاز المنسوبة إلى الكنيسة في صدر المسيحية .


4- اخلاق المسيحيين النقية الصارمة


5 - الوحدة والنظام في الجمهورية المسيحية التي شكلت ، مع الأيام ، دولة مستقلة متزايدة في قلب الإمبراطورية الرومانية


1 - الغيرة التي لا تلين والتي ورثها المسيحيون عن اليهود :.


لقد أتينا بالفعل على وصف الإنسجام الديني في العالم القديم والسهولة التي اعتنقت بها ، أو قل احترمت ، معظم الأمم ، حتى المتعادية


۲۳۲


…………………..


منها ، خرافات بعضها بعضا ، ولكن شعبا واحدا فقط رفض أن يختلط بهذا العالم . فإن اليهود الذين انزووا لعهود كثيرة تحت حكم ملوك آشور وفارس بوصفهم أحقر العبيد ، خرجوا من الظلام في عهد خلفاء الإسكندر. 

ولما كثر عددهم إلى درجة مذهلة في الشرق، ثم في الغرب، فإنهم سرعان ما أثاروا دهشة سائر الأمم وفضولها.

ويبدو أن عنادهم الرهيب في الحفاظ على طقوسهم الخاصة وآدابهم الإنعزالية البعيدة عن الروح الاجتماعية، ميزتهم بأنهم جنس مختار من البشر، وأعلنوا في جرأة أو أخفوا قليلا، كراهيتهم الشديدة لسائر بني الإنسان. 

ولم يفلح عنف انتيوخوس، ولا دهاء هيرودس، ولا الإقتداء بالأمم المجاورة، في إغراء اليهود بالربط بين ناموس موسى وبين الأساطير اليونانية الرشيقة . وطبقا لمبادىء التسامح العام الشامل، كان الرومان يحمون الخرافة التي يحتقرونها. وقد تنازل أوغسطس المهذب فأصدر أوامره بتقديم القرابين من أجل رخائه وإزدهاره في هيكل أورشليم على حين أن أحقر ذرية إبراهيم ، الذي كان لزاما عليه أن يقدم مثل هذا الولاء لجوبيتر في الكابيتول كان يصبح موضع احتقار من نفسه ومن سائر اخوته ، اذا هو أقدم على شيء من هذا

.. ولكن اعتدال الغزاة لم يكن كافيا لإخماد الأحقاد والحزازات في نفوس رعاياهم الذين فزعوا و اشمأزوا من الشعائر الوثنية ، التي دخلت بالضرورة إلى ولاية رومانية. 


وأحبطت محاولة كاليجولا المجنونة لوضع تمثاله في هيكل أورشليم أمام التصميم الاجماعي لشعب كان يخشى الموت أقل كثيرا مما يخشى مثل هذا الرجس الوثني . 

وكان تعلقهم بشريعة موسى يعادل مقتهم لسائر الديانات الأجنبية . فلما انحصر تيار الغيرة والإخلاص في هذا المجرى الضيق، اندفع في قوة السيل الجارف ، بل أحيانا في مثل عنفه وشدته


ويتخذ هذا الإصرار الذي لا يلين والذي بدا للعالم القديم أنه كريه مدعاة للسخرية، شكلا أشد رهبة ، حين شاعت العناية الإلهية أن تكشف لنا أستار الغموض الذي أحاط بتاريخ الشعب المختار . ولكن هذا التعلق المروع بل المتزمت بشريعة موسى ، والذي برز في اليهود الذين عاشوا في ظل الهيكل الثاني ، يظل أدعى الى المزيد من الدهشة


۲۳۳

……………….



إذا قورن بعناد آبائهم الأولين في الارتياب وعدم التصديق، ذلك أنهم عندما نزلت الشريعة من جبل سيناء وسط الرعود، وعندما توقف جريان البحر وتعطل سير الكواكب خدمة لبنى إسرائيل، وعندما كان الثواب أو العقاب الدنيوي نتيجة سريعة مباشرة لتقواهم أو لكفرهم - عندما حدث ذلك كله نراهم قد عمدوا باستمرار إلى التمرد على جلالة مليكهم الإلهي الذى يرونه أمامهم، وإلى وضع أصنام الأمم القديمة في محراب يهوه، وإلى تقليد كل طقوس غريبة من طقوس العرب في خيامهم أو الفينيقيين في مدنهم.


فلما حبست العناية الإلهية بحق رعايتها عن هذا العنصر الجحود، اكتسب إيمانهم قدرا متناسبا من القوة والنقاوة.


وقد شهد معاصرو موسى ويسوع في استهتار مهين أغرب المعجزات. 

وتحت وطأة الكوارث كلها حفظ الإيمان بهذه المعجزات اليهود في عصر متأخر من عدوى الوثنية الشاملة.

ويبدو أن هذا الشعب الفريد خلافا لكل مبادىء العقل البشرى المعروفة - قد آمنوا إيمانا أقوى وأسرع بتقاليد أسلافهم الأولين، منه بالأدلة التي لمسوها بأيديهم أو أدركوها بحواسهم.


وكانت الديانة اليهودية مهيأة للدفاع بشكل يدعو الى الإعجاب ولكنها لم تكن معدة قط للهجوم والتوسع، ويبدو من المحتمل أن عدد المهتدين لم يزد كثيرا على عدد المارقين في يوم من الأيام.


لقد نزلت الوعود الإلهية على شعب واحد كما أمر الشعب نفسه بشعيرة الختان المميزة. فلما تكاثر نسل إبراهيم حتى أصبحوا كرمل البحر، أعلن الإله الذي تلقوا من فمه مجموعة الشرائع والطقوس - أعلن أنه الإله الخاص بإسرائيل وكأنه الإله القومى لهم، وأفرز شعبه المفضل، دون سائر البشر، بأشد ما تكون العناية والغيرة. 

وقد اقترن غزو أرض كنعان بكثير من الظروف العجيبة، والدامية كذلك، إلى درجة أن اليهود المنتصرين باتوا وقد احتدم العداء بينهم وبين كل جيرانهم بشكل لا يهدأ.

وأمروا أن يستأصلوا بعضا من أشد القبائل وثنية، وقلما عوق ضعف البشر تنفيذ الأوامر الإلهية.

وحرم عليهم الزواج من الأمم الأخرى أو التحالف معها . أما تحريم قبولهم فى الجماعة اليهودية، وقد كان تحريما دائما في بعض الأحيان، فقد امتد في الغالب الى الجيلين الثالث والسابع، بل حتى الى الجيل العاشر . فان الإلتزام بتبشير الأمميين


٢٣٤

………………..


بعقيدة موسى ، لم يعتبره اليهود يوما مبدأ من مباديء ناموسهم، كما أنهم لم يميلوا إلى فرضه على أنفسهم باعتباره واجبا يتطوعون لأدائه.


وفيما يتعلق بقبول المواطنين الجدد، فقد تأثر هذا الشعب الانعزالي غير الإجتماعي، وتصرف في هذا الصدد وفق التقليد اليوناني الذي يشوبه الغرور والأنانية، لا وفق سياسة روما التي تتسم بالكرم والسماحة.

فقد خدع أحفاد إبراهيم أنفسهم بأنهم وحدهم ورثة العهد بين الله والإنسان كما ورد في التوراة. 

ولشد ما توجسوا خيفة من الانتقاص من قيمة ميراثهم لو سهل على الغرباء الاشتراك معهم فيه. 

إن المزيد من التعرف على الجنس البشرى قد وسع مداركهم ولكنه لم يهذب تحيزهم، أو يحد من تعصبهم. 

وما اكتسب إله اسرائيل يوما مؤمنين جددا إلا كان مدينا للمزاج المتقلب عند المشركين، أكثر منه للحماسة الجادة عند المبشرين بدينه. 


ويبدو أن عقيدة موسى شرعت لبلد واحد، وكذلك لأمة واحدة. ولو أطاع اليهود طاعة عمياء الأمر الذي يحتم مثول كل ذكر ثلاث مرات سنويا أمام يهوه لكان من المستحيل عليهم أن ينتشروا خارج الحدود الضيقة لأرض الميعاد. 

والواقع أن هذه العقبة ذللت بهدم هيكل أورشليم، ولكن تورط مع هذا التدمير أهم جزء في الديانة اليهودية، ووقع الوثنيون الذين طال بهم أمد الدهشة والاستغراب للنبأ الغريب، نبأ هيكل خال - وقعوا في حيرة من أمرهم ، فأى هدف وأية أدوات يمكن أن تكون لعبادة جردت من المعابد أو المذابح أو الكهنة أو القرابين. 

ومع ذلك فإن اليهود، حتى فى حالة الوهن والتدهور جعلوا - وظلوا يؤكدون امتيازاتهم المتغطرسة الخاصة بهم من مجتمع الغرباء، بدلا من التودد إليهم، واستمر إصرارهم، في صلابة لا تلين، على تلك الأجزاء التي كان في مكنتهم أن يمارسوها من شريعة موسى .


فإن تمييزهم الغريب بين الأيام بعضها بعضا، وتميز بعض اللحوم عن البعض، إلى جانب مجموعة كبيرة من الطقوس التافهة، ولو أنها ثقيلة، كل أولئك كان يثير اشمئزاز ومقت الأمم الأخرى التي كانوا يختلفون معها اختلافا، فأى هدف وأية أدوات الكفيلة وحدها برد المهتدى ذى الرغبة الأكيدة في الايمان ، عن باب معبد اليهود


وفي هذه الظروف تقدمت المسيحية إلى العالم، مسلحة بقوة الشريعة الموسوية، متحررة من ثقل قيودها وأغلالها.

وأشرب النظام الجديد في عناية فائقة، مثل النظام القديم. تماما، حماسا مطلقا لصدق العقيدة ووحدانية الله .. ورتب كل ما كشف الآن للإنسان من طبيعة ( الكائن

٢٣٥

…………..

الأعلى » وتدابيره، بحيث يزيد من إجلالهم وتقديرهم لهذه النظرية الخفية الغامضة.

وسلم بالسلطة الإلهية لموسى والرسل، بل اعترف بها على أنها أقوى أركان المسيحية.

وظهرت منذ بدء الخليقة سلسلة لا تنقطع من النبوءات التي بشرت وهيأت لقدوم السيد المسيح الذي طال ترقب قدومه، وطبقا لتوقعات اليهود ومخاوفهم الشديدة، كان كثيرا ما يمثل في شخصية ملك وفاتح،

أكثر منه في شخصية رسول وشهيد وابن الله.

وختمت بقربانه المكفر على الفور كل قرابين المعبد الناقصة وألغيت، وجاء بعد الطقوس التي تألفت من بعض الأنماط والأرقام، عبادة نقية روحية تصلح لكل مناخ، كما تتفق بالمثل مع ظروف الجنس البشرى.

وبدلا من التدشين بالدم، حل  شيء أقل ضررا وهو التدشين بالماء.

وبعد أن كان الوعد برضا الله محصورا في ذرية إبراهيم تحيزا وتحزبا - أصبح اليوم قدراً مشتركا للأحرار والعبيد، واليونان والمتبربرين واليهود والأمميين.


وكل ميزة يمكن أن ترقى بالمهتدي من الأرض إلى السماء أو تمجد إخلاصه أو توفر له السعادة،

أو حتى ترضي الغرور الخفي الذي يتسرب إلى نفس الإنسان في صورة التقوى والإيمان - ظلت محتفظا بها لأعضاء الكنيسة المسيحية، ولكن في نفس الوقت، كان الناس جميعا مرخصا لهم، بل مدعوين رجاء وتوسلا، لتقبل هذه الميزة التي لم تمنح مجاملة وتفضلا، بل فرضت فرضا والتزاماً. وأصبح من أقدس الواجبات على كل من تحول إلى المسيحية أن ينشر بين أصدقائه وأقربائه البركة التي تلقاها والتي لا يمكن تقديرها، وأن ينذرهم بأشد العقاب للرفض الذي يعتبر مخالفة آثمة لإرادة الله المحسن العلى القدير.

... وكان تحرير الكنيسة من قيود هيكل بني اسرائيل، على أية حال، عملا يتطلب وقتا، كما أنه شاق نوعا. واعترف من تحول من اليهود بيسوع على أنه المسيح الذي أنبأ به الوحي القديم، وأجلّوه واحترموه باعتباره رسولا يعلم الناس الفضيلة والدين، ولكنهم تشبثوا تشبثا عنيد بشعائر وطقوس أسلافهم، حتى لقد أرادوا فرضها على الأمميين الذين كانوا يزيدون باستمرار في عدد الداخلين في المسيحية. 

ويبدو أن هؤلاء المسيحيين المتهودين ناقشوا، على درجة من الصواب، المصدر الإلهي للشريعة الموسوية، والكمال الثابت لمنشئها العظيم، وأكدوا أنه إذا كان الكائن الأسمى وهو هو نفسه عبر الخلود، قد شرع إلغاء الطقوس المقدسة التي كانت تميز شعبه المختار، ولما كان إلغاؤها أقل وضوحا وجلالا ومهابة من سنها في البداية، فإنه بدلا من هذه التصريحات المتكررة التي تفترض أو تؤكد خلود العقيدة

٢٣٦

…………..

الموسوية، كان من الممكن تمثيلها على أنها مشروع مؤقت قصد به أن يستمر حتى قدوم المسيح الذي سيعلم الناس أمور العقيدة والعبادة في أسلوب أقرب الى الكمال، وأن المسيح نفسه وتلاميذه الذين حاوروه في الأرض، بدلا من إجازتهم - عن طريق القدوة - لأصغر الشعائر في الشريعة الموسوية، كان يمكن أن ينشروا على العالم إلغاء تلك الطقوس العقيمة القديمة المهجورة، دون أن تتكلف المسيحية عناء البقاء سنين طوالا حائرة مرتبكة بين مختلف طوائف الكنيس اليهودي.

وقد يبدو أن في مثل هذه المناقشات دفاعا عن قضية شريعة موسى المنتهية، ولكن أحبارنا المتفقهين كثيرا ما استطاعوا بجدهم أن يفسروا لغة «العهد القديم » المبهمة، وسلوك (المعلمين الرسوليين» الغامض.

وكان الأفضل والأسلم أن يكشف النقاب تدريجيا عن الأسلوب الموجود في الإنجيل، وأن يصدر - في غاية الحدر والرفق - حكم يدين هؤلاء اليهود المؤمنين، وهو أمر تعافه نفوسهم وتبغضه تعصباتهم.

ويقدم تاريخ كنيسة أورشليم دليلا ناصعا على ضرورة مثل هذه الاحتياطات، وعلى أثر الديانة اليهودية العميق في عقول أتباعها.

وكان الأساقفة الخمسة عشر الأولون فى أورشليم من اليهود المختنين. 

وجمع شعب الكنيسة الذي ترأسوه بين شريعة موسى وتعاليم المسيح.

وكان من الطبيعي أن تتقبل التقاليد البدائية للكنيسة التي أسست بعد موت المسيح بأربعين يوما فقط، والتي حكمها في الكثير الغالب حواريوه ورسله لعدة سنين - تتقبل على أنها مقياس الصحة أي المذهب الصحيح - الأرثوذكسى. 

أما الكنائس النائية فكثيرا ما لجأت الى الكنيسة الأم  كنيسة أورشليم، وفرجت كروبها عن طريق الصدقات السخية فلما نشأت المجتمعات العديدة الغنية في المدن الكبرى في الإمبراطورية : في أنطاكية، الاسكندرية، افيسوس، كورنثة، روما، تقلص الاحترام الذي كانت أورشليم توحى به الى المراكز المسيحية، وسرعان ما وجد اليهود المرتدون إلى المسيحية، أو كما سموا فيما بعد « النصارى » نسبة الى مدينة الناصرة) والذين وضعوا أساس الكنيسة - نقول وجدوا أنفسهم وقد طغت عليهم الجموع المتزايدة الذين انضموا تحت راية المسيح من مختلف مذاهب الشرك. ورفض الأمميون بموافقة رسولهم الخاص ثقل الطقوس الموسوية الذى لا يحتمل، وأبوا آخر الأمر، لإخوانهم الذين هم أكثر غيرة على الحق نفس التسامح الذي تضرعوا هم في بداية الأمر من أجله.

وقد أحس النصارى إحساسا عميقا مريرا بدمار المعبد والمدينة والعقيدة اليهودية،

فقد احتفظوا في سلوكهم - لا في عقيدتهم بأواصر وثيقة بينهم وبين بني وطنهم غير الأتقياء


۲۳۷

………

كذلك الذين نسب الوثنيون كوارثهم الى احتقار الإله الأعظم، ونسبها المسيحيون، بشكل أحق وأصدق، إلى غضبه. وارتد النصارى من اطلال أورشليم الى مدينة بلا Pella الصغيرة وراء نهر الأردن، حيث انزوت تلك الكنيسة القديمة في عزلة وخفاء، ولكنهم ظلوا يجدون العزاء فى التردد على المدينة المقدسة لزيارتها، وبالأمل في عودتهم يوما الى هذه الأماكن التي علمتهم الطبيعة والعقيدة معا أن يحبوها ويجلوها ولكن تعصب اليهود الذميم اليائس، في عهد هادریان زاد الطين بلة في النهاية، حتى بلغت الكارثة ذروتها، فاستخدم الرومان. الذين أهاجتهم ثوراتهم المتكررة، حق النصر فى شراسة بالغة غير عادية وأسس الإمبراطور، تحت اسم أيليا كابيتولينا مدينة جديدة على جبل صهيون، واعطاها كل امتيازات المستعمرة، وتوعد بأشد العقوبات أي فرد من الشعب اليهودى يجرؤ على الاقتراب من تخومها، ووضع حامية يقظة من الجنود الرومان لتقوم بتنفيذ أوامره.

ولم يكن أمام النصارى للافلات من هذا الحكم إلا سبيل واحدة، وعضد الدين القويم هذه المرة، ما للمزايا المؤقتة من أثر، فانتخبوا ماركوس أسقفا لهم، وهو من أحبار عنصر الأمميين الغرباء، وأغلب الظن أنه كان من مواطني إيطاليا أو إحدى الولايات اللاتينية  وبفضل إقناعه، أشاد معظم شعب الكنيسة بشريعة موسى التي ثابروا على اتباعها أكثر من قرن من الزمان. وبهذه التضحية بعاداتهم وآرائهم اشتروا السماح لهم بالدخول إلى مستعمرة هادريان كما دعموا وحدتهم مع الكنيسة الكاثوليكية، بشكل أقوى وأثبت.

ولما استعاد جبل صهيون اسم كنيسة أورشليم وأمجادها، نسبت جرائم الانشقاق والضلال إلى البقية الحقيرة من النصارى الذين رفضوا أن يرافقوا أسقفهم اللاتيني. وظل هؤلاء يحتفظون بمدينة بلا Pella موطنهم السابق، وانتشروا فى القرى المجاورة لدمشق، وأنشأوا لهم كنيسة هزيلة في مدينة حلب بسوريا. واعتبر اسم النصارى » أسمى وأشرف من أن يطلق على هذه الشرذمة من اليهود المسيحيين، وسرعان ما أضفى عليهم ما افترض فيهم من ضيق الأفق وضالة الإدراك، بالإضافة إلى حالتهم - الاسم الحقير المزرى الأبيونيون Ebionites » وبعد عودة كنيسة أورشليم ببضع سنين، ثار الشك والجدل حول المسألة الآتية : هل يمكن أن يطمع في الخلاص رجل آمن عن يقين بيسوع المسيح في الوقت الذي ظل فيل يتبع شريعة موسى ونزعت بالقديس جوستين الشهيد Justin Martyr روحه الإنسانية الطيبة،

 فرد على هذا التساؤل بالإيجاب، والحق أن جوابه

۲۳۸

…….

كان يتسم بأكبر التحفظ والحياء، ولكنه رغم ذلك تجاسر فوقف إلى جانب مثل هذا المسيحى غير المكتمل، شريطة أن يكتفى بممارسة الشعائر الموسوية دون أن يعمد الى توكيد نفعها وضرورتها. فلما ألحوا على جوستين في الإفصاح عن رأى الكنيسة، قال أن بين المسيحيين الأرثوذكس كثيرين جدا، لا يستبعدون إخوتهم اليهود المتنصرين من أمل الخلاص فحسب، بل كذلك ينكرون الإتصال بهم في المجالات العامة، مثل الصداقة والضيافة والحياة الاجتماعية. وتغلب الرأى الذي هو أشد صرامة وقسوة، كما كان متوقعا بطبيعة الحال، على الرأى الذى هو أكثر اعتدالا.

ومن هنا وجد حاجز أبدي يفصل بين أتباع موسى وأتباع المسيح. 

أما الأبيونيون التعساء الذين لفظتهم ديانة بأنهم مارقون، ولفظتهم الأخرى لأنهم هراطقة، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تجديد موقفهم بشكل أدق، وربما وجدت حتى القرن الرابع بقية لهذه الطائفة البالية، إلا أنها ذابت بطريقة غير ملحوظة في الكنيسة المسيحية أو في الهيكل اليهودي.


وبينما اتخذت الكنيسة الأرثوذكسية مكانا وسطا سويا بين الإفراط في الاحترام والإجلال وبين الازدراء غير اللائق، لشريعة موسى، نجد أن مختلف الهراطقة قد انحرفوا إلى النقيض بنفس القدر من التطرف، حتى بلغوا غاية الخطأ وغاية الإسراف فقد انتهى الأبيونيون، وففا لما اعترفوا به من صدق الديانة اليهودية، إلى أنه لا يمكن الغاؤها أو إزالتها قط. على حين سارع اللا أدريون ( الغنوصيون Gnostics طائفة تقول بأن الخلاص بالمعرفة دون الإيمان ( فاستخلصوا من عيوبها المزعومة أنها لم تكن قط من إنشاء حكمة الإله . وهناك - على سلطان موسى والرسل - بعض اعتراضات سرعان ما تقفز إلى أذهان المتشككين. الملحدين ، ولو أنها تنبع من جهلنا بالآباد السحيقة وعجزنا عن تكوين فكرة كافية عن التدبير الإلهي ورحب علم الغنوصيين العقيم في لهفة بهذه الاعتراضات، ودافع عنها في جرأة ووقاحة.

ولما كان معظم هؤلاء الهراطقة يرفضون ملذات الحواس أو الملذات المادية فقد هاجموا بشدة تعدد الزواج عند البطاركة ( الأشراف ( وفروسية داود وحريم سليمان . وبعد فتح أرض كنعان وإبادة السكان الأصليين غير المريبين الأبرياء الذين لم يتوقعوا شرا، باتوا في حيرة من أمرهم، كيف يلتئمون مع الأفكار العامة المشتركة للإنسانية والعدالة. ولكنهم لما تذكروا السجل الدامي الزاخر بالقتل والإعدام والمذابح، الذي يكاد يلطخ كل صفحات تاريخ اليهود، أدركوا أن المتبربرين في فلسطين أظهروا من الرحمة والرفق بأعدائهم الوثنيين مثل ما أظهروا لأصدقائهم من بني


۲۳۹

…..

جلدتهم.

وعندما تجاوزوا المذاهب الفرعية الطائفية للشريعة إلى الشريعة نفسها، وجدوا أنه من المستحيل على ديانة لا تتألف إلا من القرابين الدموية والطقوس التافهة، وطبيعة الثواب والعقاب، على السواء فيها، هي طبيعة جسدية دنيوية مؤقتة من المستحيل على هذه وصور الديانة أن توحى بحب الفضيلة أو تكبح جماح الانفعالات والعواطف، وعالج الغنوصيون موضوع خلق الإنسان وموته في سخرية يشوبها الدنس والإلحاد، فإنهم لم يصغوا في أناة وصبر إلى أن الإله قد أخلد إلى الراحة بعد ستة أيام من جهد شاق، إلى ضلع آدم، وإلى جنة عدن، وإلى شجرة الحياة والمعرفة، وإلى الأفعى الناطقة، وإلى الفاكهة المحرمة، وإلى الحكم الصادر ضد الجنس البشرى نتيجة لخطيئة تافهة اقترفها أجداده الأولون،

الغنوصيون - في إلحاد بالغ - إله إسرائيل، بأنه معرض للأهواء والخطأ، متقلب في حبه، عنيد لا يطاق فى غضبه، غيور بشكل دنيء على عبادته الخرافية، وقد قصر عنايته المتحيزة على شعب واحد، وعلى هذه الحياة المؤقتة الزائلة.

 ولم يستطيعوا أن يتبينوا في هذه الشخصية أية معالم لإله الكون الحكيم القدير على كل شيء.

لقد ذهبوا - أى الغنوصيون - إلى القول بأن عقيدة اليهود أقل أجراما - نوعا ما - من وثنية الأمميين، ولكن عقيدتهم الأساسية قامت على أن المسيح الذي يعبدونه هو أول وألمع انبعاث من الإله ظهر على الأرض، ليخلص بني آدم من أخطائهم المختلفة، وليبتدع طريقا آخر للحق والكمال.

وأقر الآباء، في تواضع فريد - سفسطة الغنوصيين، وإذ أقروا بأن المعنى الحرفي كريه تنفر منه كل مبادىء الإيمان والمنطق، فإنهم حسبوا أنفسهم في مأمن لا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم إذا احتموا في الثوب الفضفاض، ثوب الاستعارة والمجاز، الذي أشاعوه فوق كل الأجزاء الضعيفة في ناموس موسى.

وقيل في براعة أكثر منه بحق، أن الطهر العذري في الكنيسة لم تشبه أية شائبة من الانشقاق أو الزيغ قبل عصر تراجان أو هادريان، بعد موت المسيح بنحو مائة عام : ولكنا نلاحظ، في دقة أكثر، أن تلاميذ المسيح خلال تلك الفترة انصرفوا إلى العقيدة والعبادة في حرية أکثر مما أتيح في العصور التالية : ولما ضيق أخوية الكنيسة بطريقة غير ملحوظة، ومارست الطائفة الغالبة سلطاتها الروحية في قسوة متزايدة، فإن كثيرا من أجل أشياعها الذين دعوا لنبذها، استثيروا للادلاء بآرائهم الخاصة، وتتبع نتائج مبادئهم الخاطئة، وبعبارة صريحة ليعلنوا تمردهم على وحدة الكنيسة.

ولقد تميز العنوصيون بأنهم أكثر ٢٤٠

…..

المسيحيين أدبا وعلما ومالا. وأما هذه التسمية العامة - التي تعبر عن اتساع معرفتهم وسموها فقد انتحلها لهم غرورهم، أو خلعها عليهم حقد أعدائهم تهكما وسخرية. وكاد الغنوصيون، دون استثناء يكونون من جنس الأمميين.

ويبدو أن المؤسسين الأصليين لهذه الطائفة كانوا من أهل سوريا أو مصر، حيث دفء المناخ الذي يهييء للعقل والجسم معا جو التقى والورع في دعة وتأمل. 

وخلط الغنوصيون بالإيمان بالمسيح كثيرا من العقائد أو المذاهب الرائعة الغامضة في وقت معا، تلك التي اشتقوها من الفلسفة الشرقية، بل حتى من ديانة زرادشت التي تتعلق بخلود المادة ووجود عنصرين والتسلل الغامض للعالم غير المرئى. وعندما انزلقوا الى هذه الهوة السحيقة أسلموا قيادهم إلى خيال مهوش، وقد كانت مسالك الخطأ متشعبة غير محدودة، فقد انقسم الغنوصيون، دون أن يحسوا، إلى أكثر من خمسين شيعة خاصة، يبدو أن من أشهرهم البازيليديين Basiliadians و الفالنتينيين Valentinians والماركيونيين Marcionites ثم المانيكانز Manichaeons في عصر متأخر، وتفاخرت كل شيعة منها بأساقفتها وأشياعها وعلمائها وشهدائها. وأخرج الهراطقة بدلا من الأناجيل الأربعة التي قررتها الكنيسة، مجموعة كبيرة من التواريخ التي تلتئم فيها مناقشات المسيح وحواربيه وأعمالهم مع أفكار كل شيعة بعينها. 

وكان نجاح الغنوصيين سريعا واسع النطاق، فقد ملأوا آسيا ومصر، وثبتوا مكانهم في روما، وتوغلوا أحيانا في ولايات الغرب. والأرجح أنهم نشأوا في القرن الثاني، وترعرعوا في القرن الثالث، ثم خمدوا في القرن الرابع أو الخامس بقيام جدل ومناقشات أكثر عصرية، وبفضل السيادة العليا للسلطة الحاكمة. وعلى الرغم من أنهم عكروا السلم دائما، وأنهم كثيرا ما أساءوا إلى اسم الدين، فإنهم أسهموا في تقدم المسيحية أكثر مما عوقوها. ووجد الأمميون الذين تحولوا إلى المسيحية، والذين وجهت كل اعتراضاتهم وتحزباتهم ضد شريعة موسى، وجدوا منفذا إلى كثير من المجتمعات المسيحية، التي لم تتطلب من عقولهم الأمية الجاهلة أي إیمان بوحي سابق. 

فقوى وزاد إيمانهم بشكل غير ملحوظ، وأفادت الكنيسة في النهاية من دخول ألد أعدائها إليها.

ومهما يكن من أمر الخلاف فى الرأى بين الأرثوذكس والأبيونيين والغنوصيين،

 فيما يتعلق بإلوهية شريعة موسى أو سندها، فقد جمعتهم جميعا على قدم المساواة، نفس الغيرة المطلقة، ونفس الكراهية لعبادة الأصنام، مما ميز اليهود عن سائر الأمم في العالم القديم، أن الفيلسوف الذي أعتبر الشرك وتعدد الآلهة مزيجا من غش الإنسان وخطئه ،


الاضمحلال ج.١ - ٢٤١

…..

ليستطيع أن يخفي ابتسامة السخرية تحت ستار التقوى، دون أن يخشى أن تعرضه السخرية أو الامتثال لغضب أى قوى خفية - أو كما تصورها هو - قوى وهمية. ولكن المسيحيين الأولين كانوا ينظرون الى الديانات الوثنية القائمة نظرة أشد مقتا ورهبة. وكان الاعتقاد السائد عند الكنيسة والهراطقة معا أن الشياطين هم منشئو الوثنية وحماتها وأصنامها.

فإن هذه الأرواح المتمردة التي حرمت من منزلة الملائكة وألقي بها في نار جهنهم، كان لا يزال مقدرا لها أن تحوم حول الأرض لتعذيب أجسام البشر الآثمين وتضلل عقولهم، وسرعان ما اكتشف الشياطين واستغلوا في الإنسان استعداده الطبيعي للعبادة والنسك، فحولوا الإنسان في دهاء واحتيال عن عبادة ربه، واغتصبوا هم مكان الإله الأعظم وأمجاده.

وبنجاحهم في محاولاتهم الخبيثة، أرضوا في الحال غرورهم وأشبعوا شهوتهم في الانتقام، وحصلوا على الراحة التي كانوا في شك منها، تلك هي أملهم في انزلاق الجنس البشرى معهم لمشاركتهم إثمهم وبؤسهم.

وقيل، أو على الأقل تصور، أنهم تقاسموا فيما بينهم أهم شخصيات الآلهة التي عرفها المشركون، فانتحل فرد من الجن اسم جوبيتر وصفاته، وآخر اسكولابيوس وثالث فينوس، وربما انتحل رابع اسم أبولو .. وأنهم بفضل مرانهم الطويل وبفضل طبيعتهم الهوائية استطاعوا في قدر كاف من المهارة والوقار أن يمثلوا الأدوار التي عهد إليهم بها.

وتبعوا في المعابد، ونظموا الاحتفالات والقرابين، وابتدعوا الخرافات، ونطقوا بالوحي وكثيرا ما سمح لهم بالإتيان بالمعجزات، أما المسيحيون الذين كانوا يستطيعون على الفور - بفضل توسط الأرواح الشريرة - أن يفسروا أية ظاهرة خارقة للطبيعة، فقد كانوا يميلون، بل يرغبون، في التسليم بأشد أوهام وخيالات الأساطير الوثنية إسرافا، ولكن إيمان المسيحي كان مشوبا بالرعب.

واعتبر أقل بادرة من الاحترام للعبادة الوطنية ولاء مباشرا مقدما للشيطان، وتمردا على جلال الله.


وتبعا لهذا الرأى، كان أول، ولكن أشق، واجب على المسيحي هو أن يحافظ على طهارة نفسه وينأى بها عن أرجاس الوثنية. ولم تكن ديانة الأمم مجرد عقيدة نظرية يعترف بها في المدارس أو يوعظ بها في المعابد.

ولقد تداخلت وامتزجت آلهة الشرك وطقوسه العديدة امتزاجا دقيقا بكل ظروف العمل واللهو، ظروف الحياة العامة والخاصة، وبدا أنه يستحيل على الإنسان أن يتحاشى ملاحظة وجودهم في كل شيء، إلا إذا تخلى فى نفس الوقت عن مخالطة الجنس البشرى، وعن جميع وظائف المجتمع ومسراته. وكانت أمور الحرب والسلام تبدأ


٢٤٢

…………


أو تختم بتقديم قرابين رهيبة، كان لزاما على الحاكم والسناتو والجندي أن يرأسها أو يسهم فيها.

وكانت المشاهد العامة جزءا أساسيا في عبادة الوثنيين المرحة وكان المفروض أن الآلهة تتقبل الألعاب التي يشترك فيها الأمير والشعب تكريما لأعيادها الخاصة ، على أنها - أي الألعاب - أعظم تقدمة تفيض بالشكر والعرفان.


 ووجد المسيحي الذي تجنب - ورعا وفزعا - دنس السيرك أو المسرح، وجد نفسه يقع في ورطات خبيثة في كل إحتفال بهيج كلما عمد أصدقاؤه - في صحة بعضهم بعضا - الى صب الخمور قربانا وضراعة إلى الآلهة. وعندما كانت العروس تزف في موكب الزوجية، وسط التظاهر المتقن بالتمنع والخفر ، الى عتبة دارها الجديدة، أو كان موكب الجنازة الحزين يسير الهويني الى المحرقة، فان المسيحي في هذه المناسبات الهامة كان يفضل مضطرا التخلى عن أعز الناس لديه، على أن يرتكب الإثم الكامن في هذه الاحتفالات البعيدة عن الورع والتقوى. وتلوث بدنس الوثنية كل فن أو مهنة اتصلت ولو اتصالا يسيرا - بصناعة الأصنام أو تزيينها.

 وهذا حكم قاس، لأنه جلب البؤس والشقاء الدائمين على أكبر جزء من الجماعة المشتغلة بالمهن الفكرية أو الآلية وأنك اذا ألقيت نظرة على المخلفات القديمة، لوجدت فضلا عن تماثيل الآلهة والأدوات المقدسة لعبادتهم الأشكال الجميلة والأقاصيص اللطيفة التي قدمها خيال الإغريق، قد أدخلت وكانها أثمن الزخارف لبيوت الوثنيين وملابسهم وأثاثهم.

بل ان فنون الموسيقى والرسم والبلاغة والشعر نفسها نبعت من نفس هذا المورد العكر. 

وفي رأى الآباء كان أبولو والموزيات Muses لسان حال الشيطان، وهومر وفرجيل من أبرز خدامه. وقدر للأساطير الجميلة التي تسود وتحيى



٢٤٣

……….


نتاج عبقريتها ، أن تشيد بعظمة الشياطين. وقد زخرت اللغة الدارجة في اليونان وفي روما بتعبيرات مألوفة، ولكنها فاجرة، مما يمكن أن ينطق به المسيحى المتهور في غير تبصر، أو يستمع اليها في صبر شديد كذلك.


إن المغريات الخطيرة التي تربصت من كل جانب بالمؤمن غير اليقظ، كانت تهاجمه بأشد العنف المضاعف في أيام الأعياد الرهيبة. وكانت تنظم وتدبر على مدار السنة في دهاء وحيلة، بدرجة تخلع على الخرافة ثوب المسرة، وغالبا ثوب الفضيلة كذلك. وخصصت بعض أقدس الأعياد في الطقوس الرومانية للاحتفال بأول يناير في أشد مظاهر الابتهاج العام والخاص، ولتعداد المآثر النقية للأموات والأحياء، ولتوكيد الحدود التي لا يجوز الإعتداء عليها للممتلكات، أو للترحيب، عند عودة الربيع يقوى الإخصاب والنماء، ولتخليد ذكرى التاريخين الخالدين في روما : تاريخ تأسيس المدينة وتاريخ قيام الجمهورية، ولاستعادة المساواة البدائية الفطرية بين الناس في أيامهم الأولى، وذلك أثناء الإباحية الرحيمة التي يتسم بها عيد زحل ( ۱۷ ديسمبر من كل عام، يوم الانقلاب الشتوى ) . ويمكن تكوين فكرة عن كراهية المسيحيين لمثل هذه الاحتفالات البعيدة عن التقوى والورع، من الإحساس المرهف الذي أظهروه في مناسبة أقل خطراً بكثير. فقد تعود القدماء في أيام الأعياد العامة، أن يزينوا أبوابهم بالمصابيح وأكاليل الغار، وأن يتوجوا رءوسهم بأكاليل من الزهور، وربما كان من الميسور احتمال هذا الطقس اللطيف البريء باعتباره عملا مدنيا، ولكن حدث من سوء الحظ أن الأبواب كانت تحت حراسة المعبودات المنزلية، وأن الغار كان مقدسا عند عشاق دافنى Daphne ) في الأساطير اليونانية، حورية هربت من أبولو ) . وأن أكاليل الزهور التي كانت توضع رمزا للفرح أو للأسى خصصت في بداية نشأتها لخدمة المعتقدات الخرافية. وهنا نجد المسيحيين المرتعدين الذين استدرجوا في هذه الحالة للتمشى مع عرف بلدهم ومع أوامر الحاكم نجد أنهم شقوا تحت وطأة الخوف الرهيب من تأنيب ضمائرهم ومن لوم الكنيسة، ومن الإنذار بالانتقام الالهي .... هذا هو الجهد المضنى القلق الذي كانت تتطلبه حماية طهارة

الإنجيل ضد الجراثيم المعدية لعبادة الأوثان. وكان اتباع الديانة القائمة يمارسون، بحكم التلقين أو بحكم العادة، دون وعي، هذه الطقوس

٢٤٤

………


الخرافية العامة أو الخاصة ، ولكنهم - كما حدث غالباً - هيأوا الفرصة للمسيحيين ليعلنوا أو يؤكدوا تصديهم الغيور لها .. وبهذه الاحتجاجات المتكررة تدعم باستمرار تعلقهم بعقيدتهم .. وكلما ازدادت غيرتهم، خاضوا، بمزيد من الحماسة والتوفيق، الحرب المقدسة التي شنوها على امبراطورية الشياطين.


تعليقات