الآثار الرومانية ،،اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها للمؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبونْ

 






الآثار الرومانية


كم من الآثار التي لا يحصيها العد للعمارة الرومانية لم يسجلها التاريخ ؟ وما أقل ما صمد منها لعوادى الزمن وغارات المتبربرين ! ومهما يكن من أمر ، فان البقايا الرائعة المجيدة التي لا تزال مبعثرة هنا وهناك في إيطاليا وفى الولايات ، كافية لأن تثبت أن هذه البلاد كانت يوما مقرا لامبراطورية قوية مهذبة . 



فان جلالها وحده ، أو جمالها ، قد يكون جديرا بأن يسترعي انتباهنا ويجذب أنظارنا ولكن يضيف الى أهميتها عاملان هامان يربطان بين التاريخ المألوف للفنون وبين التاريخ الذي هو أشد نفعا وهو تاريخ السلوك الإنساني . وقد شيد كثير من هذه الآثار بأموال خاصة ، ولكنها تكاد تكون كلها قد قصد بها الخير العام


وطبيعي أن يذهب بنا الظن إلى أن الجزء الأكبر من العمارة الرومانية وأضخمها أقامه الأباطرة الذين كانوا يتحكمون في معين من المال والرجال بلا حدود ، وكان من عادة أوغسطس أن يباهي بأنه جاء الى عاصمة من الآجر وأنه تركها من الرخام . وكان الاقتصاد الدقيق عند فسبازیان Vespasian مصدر عظمته وجلاله ، كما كانت أعمال تراجان تحمل طابع عبقريته ، ولم تقم الآثار العامة التي زين بها هادریان كل ولاية في الامبراطورية ، بأمر منه فحسب ، بل تحت رقابته المباشرة كذلك ، فقد كان هو نفسه فنانا أغرم بالفنون لأنها كانت ركيزة لمجد الملك وكان الأنطونينيون يشجعون الفنون لأنها تسهم في إسعاد الشعب ولكن إذا كان الأباطرة سباقين فانهم لم يكونوا الوحيدين في مضمار العمارة والهندسة في جميع أنحاء الإمبراطورية . لقد احتذى مثالهم في كل مكان رعاياهم الأصليون





الذين لم يخشوا أن يعلنوا على الملأ أن لهم بصيرة تعي ، ولديهم ثروة تحقق أنبل المنجزات ، وما كاد الكوليزيوم الفاخر يهدى لروما ، حتى أقيمت على شاكلته ، وإن تكن أصغر منه ، في مدينتي كابوا وفيرونا مبان على نفقتهما ومن أجلهما وتشير الكتابات المنقوشة على جسر (القنطرة) المقام على نهر التاجه (في أسبانيا) ، الى أن بعض جماعات من أهل لوزيتانيا ) في شبه جزيرة أيبيريا ) أسهمت في إقامته . 

ولما عهد إلى بليني بحكم ولايتي بيتينية وبنطس  - وما كانتا بأية حال أغنى ولايات الامبراطورية أو أهمها وجد أن المدن الداخلة في نطاق سلطانه ينافس بعضها بعضا على إحراز ذقصب السبق في الأعمال العامة النافعة وفى تجميل البلاد ، مما ينتزع إعجاب ذالأجانب ويثير فضولهم ويستحق شكر المواطنين وتقديرهم ، وكان من واجب بليني بوصفه حاكم الولاية أن يكمل ما قصرت عنه المدن ، أو يوجه أذواقهم أو يخفف أحيانا من حدة الغيرة فيما بينهم،

 أما الأثرياء من أعضاء السناتو في روما وفى الولايات ، فكانوا يرون في العمل على بهاء عصرهم وأبهة بلادهم شرفا لهم ، ان لم يكن التزاما عليهم . وكان تأثير الطراز السائد يعوض عن النقص في الذوق أو في السخاء . ويمكن أن نذكر من بين العدد العديد من ذوى الفضل من عامة القوم ، هیرود اتیکس Herodes Atticus وهو مواطن أثيني عاش في عصر الأنطونينيين ، ومهما يكن من أمر الباعث على سلوكه أو أعماله ، فإن عظمته أو جلال أعماله أمر جدير بأعظم الملوك


وقد أرجع أصل أسرة هيرود على الأقل بعد أن أسعدها الحظ  إلى سيمون Cimon و ملتيادس Milliades وتيسيوس  ذرية Jupiter وجوبيتر Accus وايكس Cecrops وسيكريس Theseus هؤلاء الآلهة والأبطال الكثيرين ترددت في أسوأ مهاوى الخسة والحقارة . من ذلك أن جده وقع بين يدى العدالة ، وأن أباه يوليوس اتيكس ، لو أنه لم يكتشف كنزا كبيرا مدفونا تحت جدران بيت عتيق وهو آخر ما بقى من تراث آبائه - لقضی آخر أيامه معدما محتقرا . وربما كان من الجائز للامبراطور ذذذذبقوة القانون ، أن يثبت دعواه في هذا الكنز مستندا الى صرامة القانون ، ولكن اتيكس الحازم تحاشى باعتراف صريح فضول المبلغين أو تعرض المتشككين . على أن نرفاذ العادل ، الذي كان يعتلى العرش آنذاك ، رفض أن يحصل على أي جزء من الكنز ، وأمره أن ينتفع دون تردد بالكنز الذي أهداه إليه  الحظ ولكن الأثيني الحريص ما فتى مصرا على أن الكنز أكبر من


٦٩



أن يختص به فرد من الرعية وانه لا يدرى كيف يستخدمه فقال الملك ، في تبرم رقيق : تصرف فيه كيف شئت ) أسيء استخدامه ) لأنه ملك لك . وقد يكون من رأى كثير من الناس أن انيكس أطاع آخر تعليمات الامبراطور بنصها حيث أنه قد أنفق في الخدمات العامة الجزء الأكبر من ثروته التي زيدت كثيرا نتيجة لزواج رابح . وكان قد حصل لابنه Herod على منصب حاكم المدن الحرة في آسيا . ولحظ الحاكم الشاب اهمالا وتراخيا في تزويد مدينة ترواس Troas بالماء . فهز أعطاف هادريان ، وحصل منه على ثلاثة ملايين درهم ( نحو مائة ألف جنيه ) ليحفر قناة جديدة للماء ولكن تكاليف إنجاز هذا العمل جاوزت ضعف ما كان مقدرا لها ، مما أثار تذمر مأمورى الدخل ، إلى أن أخرس انيكس الكريم ألسنتهم الشاكية بأن التمس أن يرخصوا له في أن يتعهد هو شخصيا بكل النفقات الإضافية 


ودعى أقدر المعلمين في أثينا وآسيا للقيام بتعليم هيرود الصغير مقابل مكافآت سخية ، وسرعان ما أصبح تلميذهم خطيبا ذائع الصيت ، طبقا لأساليب البلاغة العقيمة التي سادت في ذاك العصر ، والتي حصرت نفسها داخل المدارس فترفعت عن الدخول الى السناتو أو الساحة ( الفورم (Forum) . وعين في وظيفة القنصل في روما تكريما له ولكنه قضى معظم حياته منصرفا إلى الفلسفة في أثينا وفي الريف المجاور ، محوطا دائما بجماعة من السفسطائيين الذين اعترفوا ، على غير كره منهم ، بتفوق المنافس الثرى الكريم . ولقد تلاشت الآثار التي أبدعتها عبقريته ، ولكن هناك اطلالا وخرائب تخلد شهرته وذوقه وكرمه. وقام بعض السائحين الحديثين بقياس بقايا الملعب ( الإستاد ( الذي شاده في أثينا للألعاب الأوليمبية ، فوجد أنه يبلغ ستمائة قدم طولا ، وأنه مبنى كله من الرخام الأبيض ، وأنه يتسع للشعب جميعه ، وقد استغرق بناؤه أربع سنوات عندما كان هيرود رئيسا للألعاب في أثينا . ثم بنى ، تخليدا لذكرى زوجته رجيلا Regilla ، مسرحا لا يكاد يوجد له نظير في الإمبراطورية ، كله من خشب الأرز المحفور أعجب حفر ، ولم يستخدم في البناء أي نوع آخر من الخشب . وكان الأوديوم Odeum الذي خصصه بيركليز Pericles لعزف الموسيقى وتمثيل الروايات الجديدة شاهدا على انتصار الفنون وتفوقها على عظمة المتبربرين، ولكن الأخشاب التي استخدمت في بنائه كانت أصلا من أخشاب سواري السفن الفارسية ولقد تهدم هذا البناء القديم ثانية رغم الإصلاحات التي تفضل بها فيه أحد ملوك كبادوكا Cappadoria ، ولكن هيرود أعاد اليه ما كان



70


…….



عليه من جمال وجلال . ولم ينحصر كرم هذا المواطن الممتاز بين جدران أثينا . فان أفخم الزخارف التي قام بها في معبد نبتيون في البرزخ ، والمسرح الذي شيده في كورنثه ، والملعب في دلفي ، والحمام في ترموبيل ، والقناة المائية في كنوزيوم canusium في إيطاليا - نقول ان هذه كلها لم تكن كافية لاستنفاد ثروته . ولكم حظى أهل أبيروس ؛ وتساليا ، ويوبيا ، وبوشيا ، والبلوبونيز بجوده وفضله . وثمة نقوش كثيرة في مدن اليونان وآسيا تضفى ، مع الشكر والتقدير ، على هيرود اتيكس لقب الراعي المحسن


وإن بساطة البيوت وتواضعها في جمهوريتي أثينا وروما لتنبيء بأن حالة الحرية كانت متساوية فيهما ، بينما تمثلت سيادة الشعب في المباني الفخمة التي خصصت للنفع العام ، ولكن الروح الجمهورية لم تخمد بتدفق الثروة أو قيام الملكية لقد تظاهر أفضل الأباطرة وأعفهم بأن يعرضوا عظمتهم وجلال ملكهم في أعمال المجد الوطني والنفع العام . ولقد أثار قصر نيرون الذهبي سخطا له ما يبرره ، ولكن رقعة الأرض الشاسعة التي كان قد اغتصبها بحكم ما استأثر به لنفسه من بذخ وترف نقول ان هذه الأرض قد أقيم عليها في العهود التالية الكوليزيوم وحمامات تينس ورواق كلوديوس والمعابد التي أهديت لآلهة السلم وعبقرية روما ولقد زينت و جملت آثار العمارة هذه ، والتي هي ملك للشعب الروماني ، بأجمل النتاج اليوناني من النقش والرسم والتصوير والنحت ، وكان في معابد السلام مكتبة زاخرة مفتوحة أمام العلماء الباحثين وعلى مقربة من هذه المباني كانت توجد ساحة تراجان ( الفورم ) ، وكانت محوطة برواق شاهق قائم على أعمدة ذوات شكل رباعي ، وله مدخل وجيه فسيح يتكون من أربعة من أقواس النصر ، وفى وسطه عمود من الرخام يعلو الى مائة وعشر من الأقدام ، مما يدل على ارتفاع التل الذي قطع منه البناء . وما يزال هذا العمود يحتظ بجماله القديم ، ويمثل أدق تمثيل انتصارات داشيا ، تلك التي أحرزها من أقامه


فقد أمعن الجندى المحنك النظر في قصة الحملات التي شنها ، ثم ما كان أيسر ، بعد ذلك ، على المواطن المسالم أن يرسم في خياله صورة لكبرياء الوطن وعظمته يربط بينها وبين أمجاد النصر . وبمثل هذا الشعور النبيل بالابهة العامة دبجت ربوع العاصمة وسائر ولايات الإمبراطورية ، وزخرت بالمدرجات والمسارح والمعابد والأروقة وأقواس النصر والحمامات وقنوات المياه ، وقد انجزت


۷۱


كلها ، بشكل أو بآخر ، من أجل صحة أقل المواطنين شأناً أو تعبده أو ممارسة مباهجه ومسراته . ويستحق منا آخر ما ذكرنا من هذه المباني عناية خاصة ، ذلك أن قنوات المياه تعد من أنبل وأعظم آثار عبقرية الرومان وقوتهم ، لما اتسمت به مشروعات هذه القنوات من جرأة ، وما اتسم به إنجازها من متانة ، وما نتج عنها من فوائد وقد تزهو وتتفوق قنوات المياه في العاصمة بحق على مثيلاتها ولكن من الطبيعي أن يخلص السائح المستطلع عندما يتفحص الأقنية الرومانية في سبوليتو poleto ، وفى منز Metz ، وفى سيجوفيا Segovia يخلص ، دون الرجوع الى التاريخ ، الى أن هذه المدن البلدية كات قديما مقر ملك قدير . وكانت قفار أسيا وأفريقية يوما مغطاة بالمدن المزدهرة التي استمدت كثافة السكان فيها ، بل حقيقة وجودها ، من هذا المعين الذي لا ينضب من المياه العذبة من هذه المجاري الصناعية للمياه


قدرنا الآن عدد السكان ، وتأملنا الأشغال العامة في الإمبراطورية الرومانية. وقد يكون في الكلام عن عدد مدن الإمبراطورية وعن عظمتها ما يؤكد عدد السكان ، وما يضاعف من الأشغال العامة رقد لا يبعث على السلام أن نعرض لبعض أمثلة متصلة بهذا الموضوع ، دون أن ننسى على أية حال أن غرور الأمم وفقر اللغات أديا إلى اطلاق اللفظة الغامضة ( المدينة » ، دون مبالاة أو اكتراث ، على روما وعلى لورنتوم Laurentum


1 - المقول أنه كان في إيطاليا القديمة ۱۱۹۷ مدينة ، ومهما كان من أمر مساحتها قديما ، فليس هناك ما يبرر الاعتقاد بأن السكان في عصر الأنطونينيين كانوا أقل منهم في عهد روميلوس Romulus . لقد كانت إمارات لاتيوم الصغيرة Latium داخلة في نطاق عاصمة الامبراطورية ، روما ، التي جذبت بفضل ما لها من نفوذ سام أنظار هذه الإمارات إليها . أما أجزاء إيطاليا التي انحطت ورزحت طويلا تحت نير الطغيان الخامل للكهنة والحكام ( نواب الملك ) فلم يصبها إلا بعض كوارث كان من الميسور احتمالها نتيجة للحروب ، وقد عوضتها التحسينات ( الإصلاحات ( السريعة التي أدخلها الغاليون المطلون على الألب تعويضا كافيا ، عما كانت تعانى من النذر الأولى للانهيار . وأنه لمن الممكن أن نتعقب عظمة فيرونا فيما بقى بها من آثار ، ومع ذلك كانت فيرونا أقل شهرة من أكويليا أو بادوا أو ميلان أو رافنا .


72

….





۲ - وتخطت روح التحسين والاصلاح . حدود الألب ، حتى لقد باتت ملموسة في غابات بريطانيا ، التي اجتثت تدريجيا لتفسح المجال للإسكان المريح الأنيق . وكانت يورك مقر الحكومة ، أما لندن فقد انتعشت بالتجارة ، أما باث Bath فقد اشتهرت بالفوائد الصحية لمياهها المعدنية . كما كان لبلاد الغال أن تزهو تيها بمدنها التي يبلغ عددها مائتين وألفا. وكان كثير من مدن الشمال بما فيها باريس نفسها - لا يعدو أن يكون أكبر قليلا من مرافيء صغيرة بدائية متواضعة لشعب ناشيء ، لكن ولايات الجنوب كانت تحاكى إيطاليا ثروة وأناقة . والحق أن كثيرا من مدن الغال مرسيليا ، آرل Arles ، نیزم Nisme ، ناربون ، تولوز ، بوردو ، أوتون ، فيين ، ليون لانجر ، تريف ، لتصمد أمام مقارنة حالتها قديما بحالتها الراهنة اليوم ، فتتعادل الكفتان ، وربما رجحت كفة الأولى . أما أسبانيا فقد انتعشت أيام كانت مجرد ولاية ، ولكنها تدهورت منذ أصبحت مملكة فقد أرهقها سوء استغلال سلطانها كما أرهقتها أمريكا ، وأنهكتها الخرافات ، وقد نخدش من كبريائها اذا فتشنا عن مدنها التي بلغ عددها ثلثمائة وستين مدينة ، كما ذكرها بليني على عهد فسبازيان


۳ وكانت هناك في أفريقية ثلثمائة مدينة اعترفت بسيادة قرطاجه ، وليس من المرجح أن يكون قد تناقص عددها تحت حكم الأباطرة ، فقد صحت قرطاجة نفسها من كبوتها وتألق مجدها من جديد ، وسرعان ما استردت هذه العاصمة مثل ما استردت كابوا وكورنثه - كل المزايا التي كان يمكن فصلها عن السيادة المستقلة


٤ - أما ولايات الشرق فإنها تبرز الفارق بين عظمة الرومان وهمجية الأتراك . إن الخرائب المبعثرة على الأرض غير المزروعة ، والمنسوبة جهلا إلى قوى السحر، هذه الخرائب لا تكاد تزود الفلاحين المظلومين أو العرب الرحل بملجأ أو مأوى . وكانت في آسيا الأصلية وحدها على عهد القياصرة خمسمائة مدينة مكتظة بالسكان ، حبتها الطبيعة بكل خيراتها ، وازدانت بأروع نتاج الفن . ولقد تنافست إحدى عشرة مدينة في آسيا على إهداء معبد إلى الإمبراطور تيبيريوس ، فأجرى السناتو مفاضلة بينها ليرى أيها أجدر بهذا الشرف ، فتقرر على الفور رفض أربع منها لأنها لا تتكافأ مع هذا العبء ، وكان من بينها مدينة اللاذقية التي لا تزال خرائبها


۷۳


………

نشهد بعظمتها وبهائها . وكانت اللاذقية تجنى دخلا كبيرا من مراعي الضأن التي اشتهرت بنعومة أصواتها، وكانت قد ورثت قبل هذه المنافسة بقليل ، أكثر من أربعمائة الف جنيه أوصى لها بها مواطن كريم . فإذا كانت هذه هي درجة فقر اللاذقية ، فماذا كانت ثروة المدن الأخري التي فضلت عليها ، وعلى الأخص ماذا كانت درجة ثراء بير جاموس ، وأزمير وإفسوس Ephesus ، تلك التي كانت تنازع بعضها بعضا على مكان الصدارة في آسيا ؟ أما عاصمتا سوريا ومصر فكانت لهما في الإمبراطورية مكانة سامية مرموقة ، وكانت إنطاكية والإسكندرية تنظران بعين الازدراء الى عديد من المدن التابعة ، ولكنهما سلمتا على مضض بعظمة روما ذاتها .


واتصلت هذه المدائن جميعها بعضها ببعض وبالعاصمة بشبكة من الطرق العامة كانت تبدأ من الساحة في روما ، وتخترق ايطاليا ، وتنتشر في الولايات ، وتنتهى عند حدود الإمبراطورية ، فإذا تتبعنا بدقة المسافة من سور أنطونينوس الى روما ، ومنها إلى أورشليم لوجدنا أن هذه الشبكة العظيمة من المواصلات من شمال غرب الإمبراطورية الى جنوبها الشرقى ، تمتد نحو ثمانين وأربعة آلاف من الأميال الرومانية . وكانت هذه الطرق العامة مقسمة تقسيما دقيقا بشواخص المسافات أو علامات الأميال . وكانت تجرى في خطوط مستقيمة بين المدن ، لا تقيم للعقبات الطبيعية أو الممتلكات الخاصة وزنا يذكر ، وكانوا ينقبون الجبال أو يقيمون القناطر القوية على أوسع وأسرع المجارى المائية. وكان الجزء الأوسط من الطريق يرتفع إلى سطحية تشرف على القرى المجاورة ، وتكون عدة مصاطب أو طبقات من الرمل والحصى والأسمنت ، وكان يرصف بالأحجار الكبيرة ، وبالجرانيت في بعض الأماكن قرب


العاصمة . وهكذا كان البنيان المتين للطرق الرومانية ، وهكذا كانت صلابتها التي لم تستسلم كل الاستسلام لعوامل الزمن طيلة خمسة عشر قرنا . ولقد وحدت هذه الطرق بين الرعايا في أقصى الولايات بمواصلات ميسورة مألوفة . ولكن هدفها الأساسي كان تيسير تحركات القوات العسكرية . فما كان هناك بلد يقال إنه 



٧٤


……….



أخضع اخضاعا تاما إلا إذا أصبح من الميسور على القوات المسلحة وعلى سلطات الغزو اختراقه فى أى جزء من أجزائه . وأغرى النفع الذي يعود من تلقى الأنباء المبكرة ، ومن خفة الحركة في نقل الأوامر والتعليمات أغرى الأباطرة بإنشاء نظام دقيق للبريد في طول ممتلكاتهم الواسعة وعرضها - ولهذا الغرض بنوا استراحات لا تبعد الواحدة منها عن الأخرى بأكثر من خمسة أو ستة أميال ، وزودت كل منها دائما بأربعين من الجياد ، وبفضل هذه المراحل أو المحطات سهل السفر لمسافة مائة ميل في اليوم على هذه الطرق الرومانية . وكان استعمال البريد مرخصا به لمن يحمل أمرا امبراطوريا بذلك . وكان البريد في الأصل مقصورا على الخدمات العامة ، ولكنه رغم ذلك كان يستخدم أحيانا لخدمة الناس أو قضاء حاجاتهم . ولم تكن المواصلات البحرية في الإمبراطورية الرومانية أقل حرية وانطلاقا من المواصلات البرية فيها ، فقد أحاطت الولايات بالبحر المتوسط وطوقته ، وتوغلت إيطاليا - وهي اشبه برأس ضخم - الى وسط هذه البحيرة الكبيرة . وسواحل إيطاليا ، بصفة عامة ، خالية من الموانىء الأمينة ، ولكن مهارة الإنسان عوضت النقص في الطبيعة . فان المرفأ الصناعي في أوستيا بالذات - الذي أنشأه الإمبراطور كلوديس على مصب التيبر ، كان أثراً نافعاً شاهداً على عظمة الرومان . وكان هذا المرفأ على بعد ستة عشر ميلا فقط من العاصمة ، ومنه كانت الريح المواتية في الغالب تدفع السفن الى أعمدة هرقل (۱) في سبعة أيام ، وفي تسعة أيام أو عشرة الى الإسكندرية في مصر









تعليقات