ه - نمو حكومة الكنيسة :
ولكن الخلق الإنساني، مهما حلق أو انحط نتيجة لحماس وقتى طارىء، لا بد أن يعود شيئا فشيئا إلى مستواه الصحيح الطبيعي، ويسترد هذه الأحاسيس التي تبدو أنها أصلح شيء لظروفه الراهنة أن المسيحيين الأوائل لم يعنوا بمشاغل الدنيا وملذاتها ، ولكن حبهم
٢٦١
…..
للعمل ، ذلك الحب الذي لم تكن جذوته لتنطفىء فيهم كلية، سرعان ما انتعش ووجد مجالا جديدا في حكومة الكنيسة. ذلك أن المجتمع المستقل أو المنفصل الذى تصدى للديانة القائمة في الإمبراطورية، كان مضطرا لاقتباس شكل من أشكال السياسة الداخلية، وتعيين عدد كاف من السدنة لا يعهد إليهم بالمهام الروحية فحسب، بل حتى بالإدارة الدنيوية الزمنية للجمهورية المسيحية كذلك.
ونبعت سلامة هذا المجتمع ومجده وتوسيعه، حتى في أنقى العقول، من روح وطنية شبيهة بتلك التي استشعرها الرومان الأولون نحو الجمهورية، كما نبعت أحيانا من عدم اكتراث مماثل باستخدام أي الوسائل التي يحتمل أن تؤدي إلى هذه الغاية المرجوة. وكان طمعهم في السمو بأنفسهم وبأصدقائهم الى أمجاد الكنيسة ومناصبها، مستترا في نيتهم الحسنة في أن يخصصوا للمصلحة العامة تلك القوة والأهمية اللتين أصبح من واجبهم أن يلتمسوهما لهذا الغرض وحده.
وكثيرا ما اقتضت مباشرة وظائفهم أن يكتشفوا أخطاء الهرطقة أو أحابيل الفتنة، وأن يقاوموا خطط إخوانهم الغدارين، ويدمغوهم بما يستحقون من عار وفضيحة، ويخرجوهم من أحضان المجتمع الذي حاولوا أن يكدروا هدوءه وسعادته.
وتعلم الحكام الكنسيون المسيحيون أن يجمعوا بين فطنة الثعبان وبراءة الحمام، ولكن كما صقل ونقح الأول، فقد أفسد الثاني تقاليد الحكومة، ففى الكنيسة، كما في العالم بأسره، أضفى الأشخاص الذين تولوا المناصب العامة على أنفسهم أهمية واعتبارا ببلاغتهم وحزمهم، ومعرفتهم بالجنس البشرى وبراعتهم في العمل، وكثيرا ما انتكسوا - في الوقت الذي أخفوا فيه عن الآخرين، وربما عن أنفسهم، البواعث الخفية لسلوكهم - انتكسوا إلى الأهواء الطائشة في خضم الحياة الصاخبة التي اصطبغت بقدر أكبر من المرارة والعناد نتيجة للغيرة الروحية، وغالبا ما كانت حكومة الكنيسة موضوع الجهاد الديني وحصيلته، سواء بسواء فقد كافح جميع المنافسين المعاديين في روما وباريس وأكسفورد وجنيف، ليهبطوا بالمثل الذي ضربه الرسل أو الحواريون (1) الى مستوى سياسة كل منهم على حدة، وكان من رأي النفر القليل الذين تتبعوا هذا البحث بإخلاص ونزاهة، أن الحواريين رفضوا مهمة
٢٦٣
………..
التشريع، وأنهم آثروا أن يعانوا بعض الافتراءات والانقسامات الجزئية على أن يحرموا المسيحيين في الأجيال القادمة من حرية تنويع أشكال حكومتهم الكنيسية تبعا لتغير الأزمان والظروف.
وربما اكتشف نتيجة للخبرة والمران، في أورشليم أو روما أو افيسيس أو كورنثة ذلك الأسلوب من السياسة الذي اتبع بموافقتهم (الحواريين) في القرن الأول.
ولم ترتبط المجتمعات التي تكونت فى مختلف مدن الإمبراطورية الرومانية إلا بروابط الإيمان والبر والإحسان فقط.
وكان قوام دستورها الداخلى الاستقلال والمساواة.
أما حاجتهم من النظام والتعليم الإنساني فكان يزودهم بها «الرسل» الذين كانوا يدعون لهذه المهمة دون تمييز في العمر أو فى الجنس أو في القدرات الطبيعية، والذين كانوا،
كلما أحسوا بالدفع الإلهي ، صبوا فيض الروح في جماعة المؤمنين. ولكن هذه المواهب الخارقة كثيرا ما أساء هؤلاء المعلمون الرسوليون استخدامها أو تطبيقها ذلك أنهم عرضوها في وقت غير مناسب أو شوهوا خدمة الجماعة في غطرسة وجرأة، وقد أدخلوا إلى الكنيسة الرسولية في كورنثة بصفة خاصة، نتيجة لغرورهم وغيرتهم الخاطئة، سلسلة طويلة من المعايب المحزنة. ولما بات نظام الرسل (المعلمين) عقيما غير مجد، بل ضارا مؤذيا، سحبت سلطاتهم وألغيت وظائفهم وأسندت الوظائف الدينية العامة إلى سدنة الكنيسة الثابتين وإلى الأساقفة والمشايخ وحدهم، ويبدو أن هذين اللقبين في نشأتهما الأولى، كانا يدلان على نفس الوظيفة، ونفس الفئة من الأفراد.
وكان اسم (الشيخ) يعبر عن العمر والهيبة والحكمة. أما لقب الأسقف فكان يدل على تفقدهم إيمان وسلوك المسيحيين الذين وضعوا تحت رعايتهم في أبرشياتهم. وكان يتولى نفر من مشايخ الكنيسة، يقل توجيه كل جماعة ناشئة بنفس أو يكثر تبعا لأعداد المؤمنين نسبيا القدر من السلطة، وبالنصائح الموحدة
ولكن ذروة اكتمال المساواة في الحرية، تتطلب يدا موجهة لحاكم أعلى، وسرعان ما يخلق نظام المداولات العامة وظيفة الرئيس الذي يعهد إليه، على الأقل، بجمع آراء الجماعة وتنفيذ قراراتها. وحمل المسيحيين الأولين اهتمامهم بالهدوء العام الذي كثيرا ما كان يمكن أن يضطرب نتيجة للانتخابات السنوية أو الطارئة - نقول حملهم على إنشاء حكومة محترمة دائمة، وأن يختاروا من بين المشايخ واحدا من أعقلهم وأقدسهم ليقوم مدى الحياة، بأعباء حاكمهم الكنسى. ومن هنا بدأ اللقب السامي أسقف يرتفع فوق الاسم المتواضع شيخ وبينما ظل هذا الأخير أفضل تمييز طبيعي لأعضاء كل مجلس لكبار
٢٦٣
………
المسيحيين، خصص الأول للدلالة على مقام الرئيس الجديد ومكانته أن مزايا هذا الشكل الكنسي للحكم الذي يبدو أنه ابتدع قبل نهاية القرن الأول (1) ، كانت واضحة وهامة لعظمة المسيحية في المستقبل، ولسلامها في الوقت الراهن. حتى لقد تبناه، دون تأخير، كل المجتمعات التي كانت منتشرة بالفعل في أرجاء الإمبراطورية والتي كانت في حاجة الى سند من القديم (۲) ، وما تزال تجله أقوى الكنائس في الشرق والغرب، باعتباره مؤسسة بدائية، بل حتى إلهية (۳)
وليس بنا من حاجة الى القول بأن المشايخ الأنقياء المتواضعين الذين كرموا باللقب الكنسى فى البداية، لم يكن لهم، وربما أبوا على أنفسهم السلطة والأبهة اللتين تحيطان الآن بتاج الحبر الروماني، أو كبير الأساقفة الألمان.
ويمكن أن نحدد في إيجاز الحدود الضيقة لولايتهم التي كانت أساسا ولاية دينية، ولو أنها كانت في بعض الأحوال ذات طبيعة دنيوية. وقد انحصرت في إدارة الأسرار المقدسة، ونظام الكنيسة وفي الإشراف على الاحتفالات الدينية التي زادت وتنوعت بشكل غير ملحوظ، ورسامة قسس الأكليروس الذين يحدد الأسقف لكل منهم عمله، وإدارة أموال الكنيسة، وحسم الخلافات التي لم يكن المؤمنون يريدون طرحها أمام محاكم القضاء الوثني. وكانت ممارسة هذه الصلاحيات لفترة قصيرة - تتم وفقا لمشورة رابطة المشايخ، وبموافقة جماعة المسيحيين. واعتبر الأساقفة الأولون في مكان الصدارة من نظرائهم، والخدام المكرمين لشعب حر . فإذا خلا كرسي رئاسة الكنيسة اختير رئيس جديد من بين المشايخ بالتصويت العام في المجتمع الذي كان يظن كل عضو فيه أنه يتمتع بشخصية مقدسة كهنوتية.
هذا هو الدستور الذي اتسم بالاعتدال والمساواة والذي حكم المسيحيين لأكثر من قرن من الزمان بعد وفاة الرسل، وشكل كل مجتمع في نطاقه الخاص جمهورية منفصلة مستقلة. ورغم ما كان من الصلة
٢٦٠
……
بين أقصى هذه الدويلات الصغيرة بعضها مع بعض، عن طرق الرسائل أو المندوبين، فإن العالم المسيحى لم يكن بعد مرتبطا بأية سلطة عليا أو جمعية تشريعية. فلما تضاعف عدد المؤمنين تبينوا المزايا التي قد تعود عليهم من وحدة المصلحة والخطط. وفى أواخر القرن الثاني اقتبست الكنائس في اليونان وآسيا النظم المفيدة، نظم «السنودس» في الولايات، أي مجمع الرؤساء الروحانيين في كل منها، والمفروض بحق أنهم استعاروا نظام المجلس التمثيلي من النماذج المشهورة في بلادهم : مجالس المدن، أو العصبة الآخية، أو مجالس المدن الأيونية.
وسرعان ما تقرر، بحكم العادة، أو كقانون، أن يجتمع أساقفة الكنائس المستقلة في عاصمة الولاية فى فترات معينة في الربيع والخريف. وكانوا يسترشدون في مداولاتهم بمشورة نفر من المشايخ الممتازين، كما كان يخفف من حدتها حضور جمهور من المستمعين.
وسوت الأوامر العالية التي كانت تصدر عنهم، والتي كانت تسمى شرائع أي خلاف في العقيدة أو في النظام.
وكان طبيعيا أن يسود الإعتقاد بأن فيضا كريما من الروح القدس كان يتدفق على هذه الجمعية المتحدة من وفود الشعب المسيحي.
وواءم نظام المجلس الكنسى إلى حد بعيد، بين الطمع الشخصي والمصلحة العامة على حد سواء، مما أدى إلى تعميمه في كل أرجاء الإمبراطورية، في مدى سنين قلائل.
وتبودلت المراسلات بانتظام بين مجالس الولايات التي اتصلت بعضها ببعض، كما تبادلت التصديق على إجراءات كل منها. وسرعان ما اتخذت الكنيسة الكاثوليكية شكل الجمهورية الإتحادية الفيدرالية واكتسبت قوتها بفضل تحالفهم ولما حلت المجالس محل السلطة التشريعية لكل كنيسة، ظفر الأساقفة بنصيب أكبر من السلطة التنفيذية التعسفية وحالما ارتبطوا بوحى من مصلحتهم المشتركة، أمكنهم في عزم موحد، أن يتحدوا الحقوق الأصلية لقسسهم وشعبهم، واستبدل أحبار القرن الثالث بشكل غير ملحوظ لغة الأمر بلغة النصح والتحذير، وبذروا بذور اغتصاب السلطة فيما بعد، وعوضوا عن افتقارهم إلى القوة والمنطق بمجازات الكتاب المقدس وبالبلاغة الحماسية.
وأشادوا بذكر وحدة الكنيسة وقوتها، ممثلة في منصب الأسقف، وقد حظى كل أسقف من هذه الوحدة والقوة بنصيب متساو لا يتجزأ. وكثيراً ما تردد القول بأن في مقدور الأمراء والحكام أن يباهوا بملك دنيوي عابر : والواقع أن السلطان الأسقفي وحده هو الذي نبع من الإله، وامتد فوق هذه الحياة وفوق الحياة الآخرة. وكان الأساقفة نواب
٢٦٥
………
المسيح وخلفاء الرسل، والبديل الخفي للكاهن الأعظم لشريعة موسى، واجتاح سلطانهم المطلق في رسم القساوسة حرية الانتخابات الدينية والشعبية على حد سواء، وحتى إذا ظلوا، في إدارة الكنيسة، يلتمسون رأى المشايخ وميول الشعب، فإنهم في أكبر عناية وحرص كانوا يقرون في الأذهان أنهم يفعلون ذلك متفضلين طواعية واختيارا، واعترف الأساقفة بالسلطة العليا المخولة للجمعية المشكلة من إخوانهم، ولكن كل أسقف انتزع في حكم أبرشيته الخاصة من شعبه نفس القدر من الطاعة العمياء، كما لو كان هذا المجاز المحبوب صادقا بمعناه الحرفي، وكما لو كان الراعي من طبيعة أفضل من طبيعة غنمه.
ومهما يكن من أمر، فان هذه الطاعة لم تفرض دون بعض الجهود من جانب، وبعض المقاومة من الجانب الآخر، فقد كانت المعارضة الغيورة أو المغرضة من جانب الأكليروس الذين هم أدنى مرتبة تعزز الناحية الديمقراطية في الدستور تعزيزا كبيرا في كثير من الأماكن. ولكن وطنيتهم رميت بالنعوت الشائنة المخزية : بالشغب والخروج على الكنيسة، وكانت قضية سلطان الأسقف مدينة، في تقدمها السريع، لجهود كثير من الأساقفة الجادين الذين استطاعوا مثل سيبريان القرطاجي - أن يوفقوا بين أفانين أشد رجال السياسة والدولة طمعا، وبين الفضائل المسيحية التي تبدو مطابقة أو ملائمة لشخصية القديس والشهيد (1)
ويلاحظ أن نفس الأسباب التي قضت على المساواة بين المشايخ في البداية، أضفت على الأساقفة تفوقا في المنزلة، ومن ثم سموا في الولاية والاختصاص. فإنهم كلما اجتمعوا في الربيع والخريف في سنودس الولاية (مجلس الآباء الروحانيين) شعر أعضاء الجمعية صراحة بالفارق بينهم في المكانة والسمعة الشخصية، وسيطرت على الجمع حكمة فئة قليلة من الأعضاء وبلاغتهم. ولكن نظام الإجراءات العامة تطلب تمييزا أكثر تحديدا وأقل إثارة للحقد والبغضاء.
وكان نظام الرئاسة الدائمة للمجالس في كل ولاية مقصورا على أساقفة المدينة الرئيسية فيها، وأعد هؤلاء الأساقفة المتطلعون الذين ظفروا بسرعة على الألقاب الضخمة : مطران العاصمة، ورئيس الأساقفة أعدوا أنفسهم سرا ليغتصبوا من رفاقهم في حكومة الكنيسة نفس السلطة
٢٦٦
………….
التي انتحلها الأساقفة أخيرا فوق رابطة المشايخ، بل لم يمض وقت طويل حتى عمت المنافسة بين المطارنة أنفسهم في مجال الاستعلاء والصدارة، حيث تظاهر كل منهم بإبراز الأمجاد والمزايا الدنيوية لمدينته التي يرأسها، في أبهى مظاهرها، وأعداد المسيحيين الداخلين في نطاق رعايته الكنسية وثرائهم، والقديسين والشهداء الذين ظهروا بينهم، والنقاوة التي حافظوا بها على تقاليد العقيدة كما انتقلت على يد سلسلة من الأساقفة الأرثوذكس من الرسل أو التلاميذ الرسوليين الذين ينسب إليهم تأسيس كنيستهم. وكان من السهل التنبؤ بأن روما - من كل الوجوه، مدنية كانت أو كهنوتية لا بد أن تحظى باحترام الولايات - وأن تطالب بامتثالها جميعا لها . وكان عدد المؤمنين كبيرا إلى الحد الذى يتناسب مع عاصمة الامبراطورية العظيمة، وكانت كنيسة روما أعظم الكنائس وأضخمها عددا، كما كانت بالنسبة للغرب أقدم المؤسسات المسيحية التي أخذت عنها كثير من هذه المؤسسات ديانتها بفضل الجهود التقية لمبشرى كنيسة روما وارسالياتها.
وبدلا من مؤسس رسولى واحد، وهو أكبر موضع للفخر في انطاكية، أو افسيس، أو كورنثة، قيل أن ضفاف التيبر شرفت بوعظ أعظم اثنين من الرسل واستشهادها، وادعى أساقفة روما أنهم وريثو كل المزايا المنسوبة الى شخص القديس بطرس أو الى منصبه (1) وكان أساقفة إيطاليا والولايات يميلون إلى أن يسمحوا لهم لأساقفة (روما) بالأولوية وبهذه المشاركة وهذا هو نص تعبيرهم ( في الارستقراطية المسيحية . أما سلطة ولى الأمر فقد رفضت في مقت شديد، حيث عانت روح روما الطامحة من أمم آسيا وأفريقية مقاومة أشد لسلطانها الروحى منها لسلطانها الدنيوي، فإن سبريان المحب لوطنه، والذي تحكم في كنيسة قرطاجة والمجالس الكنسية (Synods) في الولايات بأكبر تسلط مطلق، عارض بكل قوة ونجاح طمع الحبر الروماني، وربط في دهاء بين قضيته وبين قضية الأساقفة الشرقيين، وسعى - كما فعل هانيبال - الى كسب حلفاء جدد في قلب آسيا. وإذا كانت هذه الحرب البونية (حرب قرطاجة) قد استمرت دون إراقة دماء، فإن هذا يرجع إلى ضعف الأساقفة المتنازعين أقل
٢٦٧
……….
كثيرا مما يرجع الى اعتدالهم، فقد كان القدح والحرمان من الكنيسة أسلحتهم الوحيدة التي شهروها في وجه بعضهم بعضا طيلة احتدام النزاع، بنفس القدر من العنف والحماس.
وإن الضرورة المريرة التي اقتضت يوماً لوم أحد البابوات أو القديسين أو الشهداء لتبعث الأسى في نفوس الكاثوليك الحديثين عندما يضطرون الى سرد تفاصيل هذا النزاع الذي انغمس فيه أبطال الكنيسة في مثل هذه الأهواء التي هي أليق بمجلس السناتو أو بمعسكر للجيش.
وقد نشأ عن نمو سلطان الكنيسة ذلك التمييز الذي لا ينسى، من حيث تقسيم الناس الى علمانيين واكليروس، ذلك التفريق الذي لم يكن معروفا لدى الإغريق والرومان (۱) وكانت التسمية الأولى تشمل كل الشعب المسيحي بأسره، أما التسمية الثانية - طبقا لمعنى اللفظ - فقد أطلقت على الفئة المختارة التي أفردت لخدمة الدين، وهم الطائفة المشهورة من الرجال الذين قدموا للتاريخ الحديث أهم الموضوعات، وإن لم تكن في كل الأحوال أكثرها تهذيبا وتثقيفا . وقد أقلقت عداواتهم المتبادلة في بعض الأحيان هدوء الكنيسة الناشئة، ولكن غيرتهم ونشاطهم اتحدا في مجال الصالح العام، وحفزهم حب السلطة الذي استطاع أن يتسلل الى قلوب الأساقفة والشهداء(تحت أشد الأقنعة دهاء واحتيالا) إلى الاكثار من عدد رعاياهم، وإلى توسيع حدود الامبراطورية المسيحية. وكانوا مجردين من أية قوة دنيوية، وظل الحكام المدنيون لفترة طويلة، يثبطون هممهم ويضيقون الخناق عليهم، أكثر من أن يعاونوهم، ولكنهم اكتسبوا، واستخدموا، في نطاق مجتمعهم، اثنتين من أشد أدوات الحكم فعالية : الثواب والعقاب : الأول من ساء المؤمنين النابع من تقواهم، والثاني من مخاوفهم المنبثقة من خشوعهم وورعهم
ا - اقتبست الكنيسة البدائية الأولى، لفترة قصيرة، فكرة المشاركة العامة فى طيبات الحياة، تلك الفكرة التي داعبت خيال أفلاطون وطابت لها نفسه، والتي عاشت بدرجة ما، بين طائفة الأسينيين المتشددة ، ولقد هزت الحمية المهتدين الأولين فباعوا كل ما يملكون من المتاع الدنيوي الذي احتقروه، ووضعوا ثمنه تحت أقدام الرسل، وقنعوا بنصيب متساو منه عند التوزيع العام، ولكن تقدم الديانة المسيحية عوق وأبطل شيئا فشيئا هذا السنن الكريم
٢٦٨
……….
الذي كان لا بد من أن تفسده وتسيء استغلاله سريعا جدا عودة الأنانية المركبة في الطبيعة البشرية، إذا وضع بين أيد أقل نقاوة وطهرا من أيدى الرسل.
ورخص المرتدون الذين اعتنقوا الدين الجديد في الاحتفاظ بآرائهم، وتسلم التركات والميراث، وزيادة أملاك الزوجة بكل الوسائل المشروعة في التجارة والصناعة.
وبدلا من التضحية المطلقة أخذ القساوسة نسبة معتدلة. وفى الاجتماعات الأسبوعية أو الشهرية كان كل مؤمن يقدم طائعا مختارا - تبعا لمقتضى المناسبة والدرجة ثرائه وتقواه - ما تجود به نفسه لخدمة الصندوق العام. ولم يكن أي شيء يرفض مهما كان تافها، ولكنهم دأبوا على تلقين الناس أن ركن العشور ) ( أو مادة الزكاة ( في شريعة موسى لا يزال يشكل التزاما إلهيا، وأنه إذا كان اليهود في ظل نظام أقل كمالا قد أمروا أن يدفعوا عشر ما يمتلكون، فالأولى بتلاميذ المسيح أن يميزوا أنفسهم بدرجة أعلى من السخاء، وأن يظفروا بفضل النزول عن فائض ثروتهم التي سرعان ما تغني بفناء الدنيا نفسها. وقد لا تدعو الضرورة إلى القول بأن دخل كل كنيسة بعينها، ذلك الدخل غير المحقق المتقلب، لا بد أنه كان يختلف تبعا لفقر أو غنى المؤمنين الذين انتشروا في القرى المغمورة أو تجمعوا في المدن الكبيرة. وكان من رأى بعض الحكام في عهد الإمبراطور دسیوس أن المسيحيين في روما امتلكوا ثروة طائلة، وأنهم استعملوا في عبادتهم أواني من الذهب والفضة، وأن كثيرا من المهتدين باعوا أراضيهم وبيوتهم ليزيدوا في الثروة العامة للطائفة. وإن هذا في الواقع على حساب أطفالهم البؤساء الذين وجدوا أنفسهم متسولين لأن آباءهم كانوا قديسين، ويجدر بنا أن نستمع في ارتياب الى إتهامات الغرباء والاعداء، بيد أنها في هذه المناسبة، على اية حال، تتسم ظاهريا بالصحة والاحتمال، إلى حد بعيد، كما يتبين من الحالتين الآتيتين، وهما الوحيدتان اللتان وصلتا إلى علمنا، واللتان تحددان مبالغ دقيقة أو تعطيان فكرة واضحة. فقد جمع أسقف قرطاجة حوالى هذه الفترة تقريبا، من مجتمع أقل ثراء من مجتمع روما مائة ألف قطعة من العملة الفضية (أكثر من ثمانمائة وخمسين جنيها استرلينيا) ، في نداء عاجل للبر والإحسان لإغاثة الإخوة في نوميديا ، الذين وقعوا أسرى في أيدي برابرة الصحراء. وقبل عهد دسيوس بنحو مائة عام، تلقت كنيسة روما دفعة واحدة هبة قدرها مائنا ألف قطعة (أى ضعف المبلغ السابق) من أحد الغرباء في بنطس، أراد
٢٦٩
……
يتخذ العاصمة مقرا له. وكانت هذه القرابين، في معظمها، نقدا، لأن المجتمع المسيحى لم يكن راغبا، بل لم يكن قادرا، بدرجة كبيرة، على احتمال عبء الممتلكات العقارية، فقد اشترطت عدة قوانين سنت على نسق نظام الوقف عندنا، ألا تمنح أية ضياع حقيقية لأية هيئة دون امتياز خاص أو إجازة معينة من الإمبراطور أو السناتو، اللذين قلما اتجها إلى منحها لمصلحة طائفة كانت فى البداية موضع احتقارهما، وفي النهاية مثار خوفهما وحقدهما، وقيل على أية حال، بأنه في عهد اسكندر سيفيروس تمت صفقة يتبين منها أن الحظر قد أمكن أحيانا التخلص منه، أو عطل، وأنه قد رخص للمسيحيين في امتلاك الأراضي خارج حدود روما. وساعد تقدم المسيحية واضطراب الأحوال المدنية في الامبراطورية، على الإرخاء من قبضة القوانين، ووهبت، حوالي نهاية القرن الثالث، ضياع كبيرة كثيرة للكنائس الغنية في روما وقرطاجة وأنطاكية والإسكندرية، وغيرها من المدن الكبرى في إيطاليا وفي الولايات.
وكان الأسقف هو الرئيس الطبيعي لسدنة الكنيسة، وكان هو المتصرف في الموارد العامة للكنيسة دون حسيب أو رقيب. واقتصر المشايخ على المهام الروحية، أما فئة الشمامسة، وهم التابعون الأدنى درجة، فكانوا يستخدمون فقط في إدارة دخل الكنيسة وتوزيعه. وإذا جاز لنا أن نصدق تصريحات سبريان العنيفة لقلنا معه أنه كان من بين الأخوة الأفريقيين كثيرون ممن دنسوا، أثناء تأدية وظائفهم، لا كل نواميس الكمال في الإنجيل فحسب، بل كل جوانب الفضائل الأخلاقية كذلك. فإن بعض هؤلاء السدنة المؤمنين بددوا أموال الكنيسة في صنوف الملذات الشهوانية، كما انحرف بها بعضهم إلى أغراض الكسب الخاص، وإلى صفقات الشراء المزورة، وإلى عمليات الربا الفاحش. ولكن لما كانت تبرعات الشعب المسيحي حرة مطلقة، فمن المتوقع أن سوء استغلالهم لم يتكرر كثيرا. كما أن المنافع العامة التي نبعت من سخائهم عكست على المجتمع الديني شرفا ونبلا. واحتفظ بنصيب متواضع لاعالة الأسقف ومعاونيه من الأكليروس، وخصص مبلغ كاف لنفقات العبادة العامة، وكان من بينها أعياد المحبة والاحباب كما كانوا يسمونها وكانت تشكل جانبا سارا. أما الجزء الباقي فكان هبة مخصصة للفقراء موقوفة عليهم، ترك التصرف فيه لحكمة الأسقف، من أجل إعانة الأرامل واليتامى والعرج والمرضى والعجائز في المجتمع، ومساعدة الغرباء والحجاج، وتخفيف ويلات المسجونين والأسرى، وخاصة إذا كانت متاعبهم ناجمة عن استمساكهم بعروة
۲۷۰
……….
الدين . ولقد وحد بين أقصى الولايات بعضها بعضا رباط كريم من البر والاحسان، وكانت أصغر المجامع تتلقى المساعدات عن طيب خاطر من صدقات إخوانهم الذين هم أكثر يسارا. وأدى مثل هذا النظام الذي عني بأهلية الشخص أقل منه ببؤسه أو محنته، إلى تقدم المسيحية، ومن ثم نرى الوثنيين الذين كانت تعتمل فيهم معان إنسانية، يعترفون بروح البر والخير في الطائفة الجديدة، على حين كانوا يسخرون من عقائدها. وجذب الأمل في المعونة العاجلة وفى الرعاية الآجلة إلى أحضانها الكريمة كثيرا من التعساء الذين ربما تركهم إغفال الدنيا لهم فريسة للفاقة والمرض والشيخوخة.
وهناك أيضا ما يحمل على الاعتقاد بأن عددا كبيرا من الأطفال الذين كان آباؤهم يعرضونهم للموت طبقا للمادة غير الإنسانية التي كانت سائدة في ذلك العصر - كانوا كثيرا ما ينقذون ويعمدون ويعملون، ويعيشون بفضل تقوى المسيحيين وعلى حساب الأموال العامة.
۲ - من الحقوق المقررة التي لا نزاع فيها أنه يمكن لكل مجتمع أن يستبعد من نطاقه ومن مزاياه الأعضاء الذين يرفضون أو يتعدون القواعد التي استقرت وتركزت برضا من الناس عامة. وفي ممارستها لهذا الحق، كانت الكنيسة المسيحية تنزل عقابها أساسا بمرتكبى الخطايا الفاضحة، وبخاصة الآثمين الذين ارتكبوا جرائم القتل أو التدليس أو الدعارة، وبمبتدعى أو معتنقى آراء الهرطقة التي كانت تدينها حكومة الكنيسة، وبأولئك التعساء الذين دنسوا أنفسهم، طوعا أو كرها بأية طقوس وثنية بعد تعميدهم. وكانت عواقب الحرم أى الحرمان من الكنيسة ذات طبيعة دنيوية وروحية في وقت معا، حيث كان المسيحي الذي يصدر عليه هذا الحكم يحرم من الاشتراك في عبادات المؤمنين وقرابينهم، وتقطع العلاقات الدينية والخاصة معه
ومن ثم وجد نفسه شيئا دنسا يمقته الأشخاص الذين كان يكن هو لهم أعظم التقدير، أو الذين كانوا يحبونه أشد الحب، وبقدر ما كان الطرد من مجتمع محترم يدمغه بالخزي والعار كان الجنس البشرى عامة يعرض عنه ويرتاب فيه. وكان موقف هؤلاء المبعدين المنكودين أليما
۲۷۱
………
تفوق محزنا في حد ذاته، ولكن مخاوفهم كانت – كما يحدث عادة آلامهم.
فإن مغانم الجماعة المسيحية كانت خالدة أبدية. ولن تمحى من الأذهان تلك الفكرة الرهيبة، تلك هي أن الله قد أودع مفاتيح الجحيم والجنة فى أيدي هؤلاء الحكام الكنسيين الذين أصدروا عليهم الحكم بالإدانة والإبعاد. وحقا حاول الهراقطة مقتنعين بصواب مقاصدهم، أو يحدوهم الأمل الموهوم بأنهم هم وحدهم الذين اكتشفوا الطريق الصحيح للخلاص - حاولوا أن يستعيدوا عن طريق جمعياتهم المستقلة. الراحة، الدنيوية والروحية، التي لم يعودوا يستمدونها من المجتمع المسيحى الأكبر، ولكن معظم الذين استسلموا كرما لسلطان الرذيلة وعبادة الأصنام، أدركوا سوء حالتهم، وتلهفوا على العودة إلى مزايا الجماعة المسيحية
وهناك، فيما يتعلق بهؤلاء التائبين النادمين، رأیان توزعت بينهما الكنيسة الأولى، أولهما طابعه العدالة، ويتسم ثانيهما بالرحمة أما أهل الفتوى القساة المتشددون الذين لا تلين قلوبهم، فقد أبوا عليهم، إلى الأبد ودون استثناء، أحقر مكان في رحاب الجماعة المقدسة التي امتهنوها أو هجروها، وتركوهم لعذاب الضمير الآثم، ولم يتسامحوا معهم إلا فى بريق باهت من الأمل، في أنه يمكن أن يتقبل الكائن الأعظم) (۱) توبتهم وتذللهم فى حياتهم ومماتهم. ولكن أطهر الكنائس المسيحية وأكثرها احتراما اعتنقت عمليا ونظريا، فكرة أكثر اعتدالاً، فإن أبواب الوفاق والمصالحة، وأبواب السماء قل أن توصد في وجه التائب المنيب، ولكنهم ابتدعوا نظاما قاسيا رهيبا، قد يؤدى الى محو جريمته، ولكنه فى نفس الوقت يردع الناس بشدة عن الاقتداء به، ذلك أن هذا التائب المنيب بعد أن يعترف أمام الملأ اعترافا يستشعر معه الإذلال، ويصوم إلى حد الضعف والهزال، مرتديا أسمالا من الخيش - كان بعد هذا كله يخر ساجدا على الأرض أمام أبواب الكنيسة يتوسل بالدموع الغفران من ذنبه، ويلتمس صلوات المؤمنين من أجله (۲) . وإذا كان الجرم فظيعا، لم تكن السنوات الطوال من التوبة تعد كافية لارضاء العدالة الالهية، وكان المذنب أو الهرطيق، أو المارق، يعاد دائما الى أحضان الكنيسة بعد هذه السلسلة البطيئة الأليمة من التكفير. واحتفظ بالحكم بالحرمان الدائم
۲۷۲
………..
المبعض الجرائم الفظيعة إلى حد خارق للعادة، وبصفة خاصة الانتكاسات التي لا تغتفر من هؤلاء التائبين الذين جربوا وأساءوا استغلال رفق رؤسائهم الكنسيين. واختلف تطبيق هذا النظام المسيحي تبعا لحكمة الأساقفة، ووفقا لظروف الآثمين وعددهم وكان مجلس انسيرا Ancyra والالليبرس Illiberis يعقدان في نفس الوقت تقريبا الواحد منهما في غلطية والثانى فى أسبانيا، ولكن قراراتهما - الموجودة حتى الآن، يبدو أنها مختلفة في روحها. فإن ابن غلطية الذي تكرر منه تقديم القرابين الى الأوثان بعد تعميده، كان يمكنه أن يظفر بالغفران بعد سبع سنين من التكفير والتوبة، أما إذا أغرى غيره بالاقتداء به، أضيفت الى مدة الحرمان ثلاثة أعوام أخر. أما الأسباني المنكود الذي ارتكب نفس الخطيئة. فقد حرم من الأمل في المصالحة حتى في لحظة الموت. ووضعت وثنيته على رأس قائمة تحتوي على سبع عشرة خطيئة كان يصدر عليها حكم لا يقل رهبة عن هذا، ويمكن أن نميز بينها الجرم الذي لا يغتفر، وهو الطعن في الأسقف أو الشيخ أو حتى الشماس .
ومن أن هذا المزيج الذي أحسن تركيبه من السخاء والصرامة، وهذا المنهج القويم من الثواب والعقاب، قد شكلا - وفقا لمقاييس السياسة والعدالة سواء بسواء - القوة الانسانية في الكنيسة. فإن الأساقفة الذين بسطوا رعايتهم الأبوية على الحياتين الأولى والآخرة، كانوا يدركون أهمية هذه الامتيازات، وكانوا - وهم يسترون أطماعهم بادعائهم اللطيف محبة الطائفة يحقدون على كل من ينافسهم في تطبيق مثل هذا النظام الضرورى لمنع ارتداد هذه الجموع التي انضوت تحت راية الصليب، والتي كانت أعدادها تتزايد يوما بعد يوم الطبيعي أن نخلص من خطابات سبريان المؤثرة المتشددة إلى أن نظريتي الحرمان والتكفير كانتا أهم جزء أساسى فى الديانة. وأنه كان أقل خطرا على تلاميذ المسيح أن يهملوا في أداء الواجبات المعنوية من أن يحتقروا عقاب أساقفتهم أو سلطانهم. وقد نتصور أحيانا أننا انما نصغى الى صوت موسى حين أمر الأرض أن تنشق وتبتلغ في سعيرها المهلك أولئك المتمردين الذين رفضوا الامتثال لكهنة هرون، وأحيانا يجدر بنا أن نفترض أننا سمعنا صوت قنصل روماني يؤكد عظمة الإمبراطورية، ويعلن عن عزمه الأكيد الذي لا ينثنى على فرض صرامة القوانين. إذا أجيز هذا الاعوجاج دون عقاب أو حساب. (هكذا يؤنب أسقف قرطاجة زملاءه على رفقهم ورقتهم)، (إذا أجيز هذا الاعوجاج، فسوف يكون في هذا نهاية قوة الأساقفة وعزمهم، ونهاية للسلطة
الاضمحلال ج۱ -
۱۷۳
…….
الإلهية السامية في حكومة الكنيسة، ونهاية المسيحية نفسها. وربما نبذ سبريان هذه الأمجاد الدنيوية التي كان من المحتمل ألا يحصل عليها قط، ولكن اكتساب السيطرة على ضمائر المجمع وإدراكه - مهما كان صغير الشأن أو موضع احتقار العالم - أصدق إرضاء لغرور النفس البشرية، من تملك أكبر سلطة مطلقة استبدادية تفرضها قوة السلاح والغزو على شعب أبي كاره
لقد حاولت في هذا البحث الهام ، رغم أنه ربما كان شاقا، أن أعرض الأسباب الثانوية التي عاونت معاونة فعالة على سلامة تعاليم الدين المسيحى، وإذا نحن اكتشفنا بين هذه الأسباب شيئا من الزخارف المصطنعة أو الظروف الطارئة أو المزيج من الخطأ والهوى، فليس هناك ما يدعو الى العجب من أن يتأثر الجنس البشرى وطبيعته الناقصة بهذه البواعث، تأثرا بالغا محسوسا، فقد بسطت المسيحية أجنحتها بنجاح كبير، على الإمبراطورية الرومانية نتيجة لهذه الأسباب : الغيرة المطلقة، الترقب العاجل المباشر للحياة الآخرة، دعوى المعجزات، ممارسة الفضيلة الصارمة، انشاء الكنيسة الأولى.
وكان المسيحيون مدينين لأول هذه الأسباب ببأسهم الشديد الذي لا يغلب والذي احتقر أن يذعن للعدو الذي صمموا على قهره. أما الأسباب الثلاثة التالية فقد أمدت شجاعتهم بأقوى الأسلحة . أما آخر هذه الأسباب، فإنه وحد قلوبهم، وسدد أسلحتهم، وأضفى على جهودهم هذا الوزن الثقيل الذى لا يقاوم، والذي غالبا ما تفوقت به فئة قليلة من المتطوعين الشجعان الذين أحسن تدريبهم، على حشد كبير سييء لنظام جاهل بالموضوع غير مكترث بقيام الحرب. ومن بين مختلف ديانات الشرك، ربما كان بعض المتعصبين المتجولين في مصر وسوريا ممن أسلموا أنفسهم للخرافة الساذجة السائدة بين السكان هم الفئة الوحيدة من الكهنة الذين استمدوا العون والسطوة من مهنتهم الكهنوتية، وكانوا متأثرين من الأعماق باهتمامهم الشخصي بسلامة أو رخاء معبوداتهم الحارسة أما كهنة المشركين في روما وفي الولايات، فقد كانوا، في الكثير الغالب، رجالا من أصل نبيل، ذوى ثراء وافر، تقبلوا مهمة العناية بمعبد مشهور، أو قربان عام، على أنها امتياز مشرف، وكثيرا ما عرضوا، على حسابهم الخاص، بعض الألعاب المقدسة وأقاموا فى استهتار وفتور الطقوس القديمة، طبقا لقوانين بلادهم وأسلوبها، ولما كانوا مشغولين بمهام الحياة العادية، فقلما آثار غيرتهم وإخلاصهم أي لون من ألوان المصلحة، أو أية سجايا ذات طابع كهنوتي. وقبع كل منهم في معبده أو مدينته، فظلوا دون أن
٢٧٤
…..
يرتبطوا بأى رباط من روابط النظام أو الحكومة. وفي الوقت الذي اعترفوا فيه بالسلطة العليا للسناتو ومجمع الاخبار والامبراطور، كان هؤلاء الحكام المدنيون يقنعون بالمهمة اليسيرة، ألا وهي الابقاء على العبادات العامة للناس في هدوء ووقار، وقد رأينا بالفعل كم كانت العواطف الدينية لدى المشركين متباينة، مفككة، غامضة، فقد تركوا وقد حددت وطالما كانت بلا ضابط تقريبا للأوهام الخرافية وأفاعيل الطبيعة الظروف الطارئة ومراكزهم هدف اخلاصهم ودرجته عبادتهم نهبا مباحا لألف من المعبودات على التعاقب، فقد قل أن مس واحد منا شغاف القلب، أو نفذ إلى أعماق النفس .
الظروف المواتية لتقدم المسيحية
