الظروف المواتية لتقدم المسيحية
وفي الوقت الذي ظهرت فيه المسيحية في العالم، كانت حتى هذه الانطباعات الباهتة المعيبة قد فقدت قوتها الأصلية، فإن العقل البشرى القادر بقوته وحدها على ادراك خفايا العقيدة، كان قد انتصر في سهولة ويسر على حماقة الوثنية. واضطر ترتوليان ولكتانتيوس، عندما بذلا الجهود في فضح زيفها، إلى اقتباس فصاحة شيشرون أو حصافة لوشيان.
وانتقلت عدوى هذه الكتابات الملحدة الى محيط أبعد كثيرا من محيط قرائها. وانتقلت بدعة الشك أو عدم التصديق من الفيلسوف الى رجل الملذات أو الأعمال، ومن النبلاء إلى العامة، ومن السيد الى العبد الوضيع خادم مائدته الذي أنصت في لهفة إلى حرية سيده في الحديث.
وتظاهر الفلاسفة في المناسبات العامة بالنظر بعين الاحترام والوقار الى النظم الدينية في بلادهم. ولكن احتقارهم الخفي كان ينفذ من خلال القناع الرقيق، وحتى الناس عندما تبينوا أن معبوداتهم كانت موضع استنكار وسخرية لدى الفئة التي درجوا على تبجيلها لعلو مكانتها وحسن ادراكها امتلأت نفوسهم بالشكوك والمخاوف إزاء تلك المعتقدات التي ظلوا لها عاكفين في إيمان ثابت. وبانهيار الآراء القديمة تعرض الجزء الأكبر من الجنس البشري لموقف أليم ممض، وقد تتلهى وتتسلى بعض العقول الفضولية الكثيرة التساؤل بحالة الشك والتردد هذه، ولكن ممارسة الخرافة أمر محبب إلى جمهرة الناس، إلى حد أن إيقافهم عنوة يظل يثير في نفوسهم الأسف لفقدانهم هذه الرؤية البهيجة السارة.
وكان حبهم لكل ما هو غريب وخارق للطبيعة، وحبهم لاستطلاع الحوادث المستقبلة، ونزعتهم القوية إلى الامتداد بآمالهم ومخاوفهم إلى ما وراء أنفسهم --
۲۷۵
…….
حدود العالم المرئى - هي الأسباب المواتية لتثبيت دعائم الشرك وتعدد الآلهة.
وكانت حاجة الرجل الهمجي إلى العقيدة تلح عليه إلحاحا، يغدو معه من أقرب الاحتمالات أن يحل طراز جديد من الخرافة وشيكا محل أية أساطير تندثر. وربما احتلت بسرعة بعض المعبودات التي هي من طراز أحدث وأكثر جدة معابد جوبيتر وأبولو المهجورة إذا لم تكن حكمة «العناية الإلهية» قد أقحمت في اللحظة المناسبة تنزيلا أصيلا صالحا يوحي بأعظم التقدير والاقتناع المعقولين، وازدانت في نفس الوقت بكل ما يثير فضول الناس ودهشتهم وينتزع احترامهم. ولما كان كثير من الناس متحررين تقريبا من تحيزاتهم المصطنعة، ولكنهم بنفس القدر شديدو الحساسية والرغبة في اعتناق مذهب جديد اعتناقا مخلصا، فربما كان أي شيء كافيا، ولو كان أقل جدارة واستحقاقا في غمرة هذا الاستعداد الفعلي، نقول كافيا لملء الفراغ في قلوبهم، ولتسكين هذا القلق المرتاب في مشاعرهم. وقد يعجب الذين يميلون إلى تتبع هذه الفكرة من أن نجاح المسيحية ظل أقل سرعة وانتشارا، بدلاً من أن يدهشوا لتقدمها السريع.
وقد أثيرت ملحوظة صادقة قدر ما هي لائقة، تلك هي أن فتح روما قد مهدت السبيل وسهلت فتوح المسيحية. وقد حاولنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب أن نوضح كيف أن أعظم الولايات حضارة في أوربا وآسيا وأفريقية توحدت في ظل ملك واحد، وأنها ارتبطت، على مر الأيام، بأوثق روابط القوانين والسلوك واللغة. وقد استقبل يهود فلسطين الذين ترقبوا في لهفة وشغف مخلصا دنيويا، استقبلوا بفتور شدید معجزات النبي المرسل، إلى حد أنهم لم يجدوا ضرورة لنشر إنجيل بالعبرية، أو على الأقل، الاحتفاظ به. وكتبت التواريخ الموثوقة لأعمال المسيح باللغة اليونانية، على مسافة بعيدة من أورشليم، وبعد أن زاد إلى حد كبير عدد الأمميين الذين اهتدوا إلى المسيحية. وحالما ترجمت هذه التواريخ الى اللاتينية باتت واضحة مفهومة لرعايا روما، فيما عدا فلاحي سوريا ومصر الذين كتبت من أجلهم ترجمات خاصة فيما بعد. ومهدت الطرق العامة التي كانت قد أنشئت لخدمة القوات الرومانية سبيل المبشرين المسيحيين من دمشق الى كورنثة، ومن إيطاليا إلى أقصى الأرض في إسبانيا أو بريطانيا، ولم يواجه هؤلاء الغزاة الروحيون أيا من العقبات التي قد تؤجل أو تعوق عادة دخول دين جديد إلى بلاد نائية. وهناك من أقوى الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد بأنه قبل عصر دقلديانوس وقسطنطين، كان التبشير بعقيدة المسيح يجري في كل ولاية وفي كل المدن الكبرى في الإمبراطورية، ولكن تأسيس
٢٧٦
…….
المجامع الكثيرة والأعداد التي تألفت منها. ونسبتها إلى جمهور غير المؤمنين - كل أولئك محوط بالغموض أو تائه وسط الخيال والحماس.
وسنعمد الآن الى سرد هذه الظروف المبتورة، كما وصلت إلى علمنا على أية حال فيما يتعلق بانتشار المسيحية في آسيا واليونان، ومصر، وإيطاليا والغرب، دون أن نغفل المكاسب الحقيقية أو الخيالية فيما وراء حدود الإمبراطورية الرومانية.
وكانت الولايات الغنية الممتدة من نهر الفرات إلى البحر الأيوني هي المسرح الرئيسي الذي عرض عليه رسول الأمميين غيرته وتقواه.
وقد تعهد تلاميذه في جد ونشاط، بذور الإنجيل التي كان قد غرسها في هذه التربة الخصبة، ويبدو أن هذه المنطقة في القرنين الأولين، كانت تضم الجزء الأكبر من المسيحيين.
ومن بين المجتمعات التي أنشئت في سوريا، لم يكن هناك مجتمعات أقدم أو أسمى من المجتمعات التي انشئت في دمشق وحلب وأنطاكية، وقد وصفت المقدمة الرسولية السفر الرؤيا (رؤيا يوحنا اللاهوتي العهد الجديد) كنائس آسیا السبع وخلدتها : افسس، أزمیر، برجامس، ثياتيرا، سارديس، لاودكيا، فيلادلفيا.
وسرعان ما انتشرت مستعمراتها في هذه البلاد الآهلة بالسكان. وفي فترة مبكرة جدا استقبلت جزيرتا قبرص وكريت وولايتا تراقيا ومقدونيا الدين الجديد استقبالا طيبا، وأسست في الحال جمهوريات مسيحية في مدن كورنثة وأسبرطة وأثينا، والحق أن قدم الكنائس في اليونان وآسيا هيأ لها فسحة من الوقت للنمو والتكاثر. بل ان جماعات الغنوصيين وغيرهم من الهراطقة لتفيد في تبيان مظاهر الانتعاش فى الكنيسة الأرثوذكسية، حيث كان لفظ الهراطقة يطلق دائما على الفئة التي هي أقل عددا. ويمكن أن نضيف إلى هذه الشواهد المحلية اعتراف الأمميين أنفسهم وشكاواهم ومخاوفهم.
فمن كتابات لوشيان - وهو فيلسوف درس الجنس البشرى ووصف أحواله في أجلى بيان - يمكن أن نستخلص أن وطنه - بلاد بنطس - كان يعج، على عهد كومودس، الأبيقوريين، و بالمسيحيين ثمانين عاما من موت المسيح كتب السياسي الروماني الخير «بليني» يرثى لتفاقم السيئات التي حاول سدى أن يمحوها، وبعد فهو يؤكد في رسالته العجيبة إلى الإمبراطور تراجان، أن المعابد كادت تصبح مهجورة، وأن الضحايا المقدسة تكاد لا تجد من يشتريها، وأن الخرافة (يقصد العقيدة المسيحية) لم تقتصر عدواها على المدن، بل جاوزتها الى القرى والريف في بلاط بنطس وبيثينيا
۲۷۷
………
والملحوظ بصفة عامة، ولو لم ندقق النظر في تعبيرات أو في بواعث هؤلاء الكتاب الذين يشيدون بتقدم المسيحية في الشرق أو يرثون لها، أن أحدا منهم لم يترك لنا أسسا يمكن أن يستخلص منها تقدير عادل للعدد الحقيقي للمؤمنين في تلك الولايات. وبقيت لحسن الحظ حالة واحدة يبدو أنها قد تلقى ضوءا أكثر ايضاحا على هذا الموضوع الغامض الهام ذلك أنه في عهد تيوديسيوس، وبعد أن تمتعت المسيحية لمدة تزيد على ستين عاما بدفء العطف الإمبراطوري، بلغ عدد شعب الكنيسة القديمة اللامعة في إنطاكية مائة ألف شخص، عاش منهم ثلاثة آلاف على الهبات العامة. وقد تكون أبهة ملكة الشرق وعظمتها، واكتظاظ السكان المعترف به في قيصرية وسلوقية (مدينة على الفرات) والاسكندرية، وهلاك مائتين وخمسين ألفا من الأنفس بفعل الزلزال الذي أصاب إنطاكية أيام جوستين الأكبر، قد يكون كل أولئك عوامل كثيرة تقنع بأن مجموع سكانها لم يكن يقل عن نصف مليون، وأن المسيحيين، مهما تكاثر عددهم نتيجة الغيرة والسلطة، لم يتجاوزوا خمس أهل هذه المدينة العظيمة (أنطاكية). وكم تختلف النسبة التي يجب أن نأخذ بها عندما نقارن بين المضطهدين وبين الكنيسة الظافرة، وبين الشرق والغرب، وبين القرى الصغيرة والمدن الآهلة، وبين الأقطار التي تحولت حديثا الى العقيدة وتلك التي كان المؤمنون فيها في طليعة من حظوا باسم المسيحيين! على أنه يجوز ألا نغفل أن كريسستوم 1 (أحد آباء الكنيسة في أنطاكية في القرن الرابع)، ونحن مدينون له بهذه المعلومات المفيدة - قدر في فقرة أخرى أن عدد المسيحيين كان يفوق حتى عدد اليهود والوثنيين. ولكن تذليل هذه الصعوبة الظاهرة ميسور واضح : فإن الواعظ الفصيح قارن بين الدستور الكنسى والدستور المدنى في أنطاكية، وبين قائمة المسيحيين الذين ظفروا ببركة السماء بالتعميد وقائمة المواطنين الذين كان لهم حق الإسهام في الهبات العامة.
وقد أدرج العبيد والغرباء والأطفال في القائمة الأولى، واستبعدوا من الثانية
وهيأت تجارة الإسكندرية الواسعة، وقربها من فلسطين، منفذا سهلا للديانة الجديدة، وقد اعتنقتها أعداد كبيرة من طائفة Therapeutae والأسينيين Essenians القاطنين في منطقة بحيرة مريوط، وهم طائفة من اليهود تخلت كثيرا عن احترامها للطقوس الموسوية.
وقدمت حياة التقشف والتزمت التي كان يحياها هؤلاء الأسينيون وصومهم وحرمانهم من الهيكل، واشتراكية الملكية عندهم، وحب العزوبة، وتحمسهم للاستشهاد، وحرارة عقيدتهم، رغم عدم نقاوتها - كل
۲۷۸
……….
أولئك قدم بالفعل صورة حية للنظام الفطرى البدائي. ويبدو أن اللاهوت المسيحي اتخذ قالبه العلمي المحدد في مدرسة الإسكندرية، ووجد هادريان، عند زيارته لمصر، كنيسة تتألف من اليهود والإغريق بلغت من الأهمية ما يكفى لجذب انتباه هذا الأمير الفضولي المحب للاستقصاء. ولكن تقدم المسيحية ظل زمنا طويلا مقصورا على نطاق مدينة واحدة، كانت في حد ذاتها مستعمرة أجنبية. وظل أسلاف ديمتريوس، حتى نهاية القرن الثاني، هم الأحبار الوحيدين، في الكنيسة المصرية، ثم رسم ديمتريوس بيديه ثلاثة أساقفة، وزاد عددهم إلى عشرين فى أيام خلفه هرقلاس Heraclas. أما جمهور المواطنين، وهم شعب يتميز بالصلابة الكئيبة، فقد استقبلوا الدين الجديد في فتور واشمئزاز، وكان من النادر، حتى في أيام أوريجن أن تلتقى بمصرى تغلب على تعصبه القديم للحيوانات المقدسة في بلده. والحق أنه حالما اعتلت المسيحية العرش، امتثلت حماسة هؤلاء المتبريرين للرأى المقنع السائد، وزخرت مدن مصر بالأساقفة، وعجت صحراء طيبة بالنساك Origen
وتدفق إلى رحاب روما الواسع سيل من الغرباء وسكان الولايات وكان أي غريب أو ممقوت، مذنب أو مشتبه فيه، يمكن أن يأمل في الإفلات من عين القانون الساهرة في خضم هذه المدينة المترامية الأطراف، وسهل، وسط هذا الخليط من الأمم، على أي معلم يدعو إلى الهدى أو الزيف، وأى مؤسس لرابطة تقوم على الفضيلة، أو على الإثم والعدوان، أن يضاعف عدد تلاميذه أو شركائه. وبلغ عدد المسيحيين كما صوره بالفعل تاسيتس رقما كبيرا - أيام اضطهادات نيرون الطارئة. وتكاد لغة هذا المؤرخ العظيم تشبه الأسلوب الذي استخدمه ليفى Livy عندما روى قصة إدخال طقوس باخوس إله الخمر عند اليونان والرومان وإلغائها. وبعد أن كان عباد باخوس قد أهاجوا قسوة السناتو، توجس هذا المجلس خيفة من أن يكون حشد كبير- كما لو كان شعبا آخر - قد لقن تلك الأسرار الممقوتة. ثم أظهر بحث أكثر دقة أن المخالفين الآثمين لم يتجاوزوا سبعة آلاف، وهذا فى الواقع رقم مخيف، إذا نظر إليه على أنه هدف العدالة العامة. وفى مثل هذا الإعتراف الصريح يجب أن تفسر هذه العبارات الغامضة التي أوردها تاسيتوس، أو التي جاءت في حالة سابقة على لسان بليني، حين يبالغان فى حشود المتعصبين المخدوعين الذين نبذوا العبادات القائمة للآلهة. ولا ريب في أن كنيسة روما كانت أولى الكنائس وأكثرها عددا .. ولدينا سجل موثوق حجة يشهد بحالة
۲۷۹
………
الديانة في هذه المدينة حوالى أواسط القرن الثالث، وبعد هدوء دام ثمانية وثلاثين عاما وكان الأكليروس آنذاك يتألف من أسقف وستة وأربعين من المشايخ، وسبعة شمامسة ومثلهم من وكلائهم، واثنين وأربعين سادنا، وخمسين من القرائين وطاردي الأرواح الشريرة والحمالين، وبلغ عدد الأرامل والعجزة والفقراء الذين كانوا يعيشون على تبرعات المؤمنين، ألفا وخمسمائة.
وبحكم المنطق، وبالقياس إلى انطاكية، قد نجرؤ على تقدير المسيحيين في روما بنحو خمسين ألفا. وربما كان من المتعذر التحقق من عدد السكان في هذه العاصمة الكبيرة بالضبط، ولكن أكثر التقديرات تواضعا لا يمكن، على التحقيق، أن يهبط به إلى أقل من مليون نسمة، يشكل المسيحيون منهم جزءا من عشرين جزءا.
ويبدو أن سكان الولايات الغربية استقوا معرفتهم بالمسيحية من نفس المنبع الذي نشر عليهم لغة روما ومشاعرها وعاداتها. وتهيات أفريقية والغال، في هذا الظرف الذي هو أكثر أهمية وخطرا، للاقتداء بالعاصمة، ورغم المناسبات الكثيرة المواتية التي ربما دعت الارساليات الرومانية الى زيادة ولاياتها اللاتينية، فقد تأخر طويلا عبورهم للبحر أو جبال الألب، فلسنا نستطيع أن نجد في هذه الأقطار العظيمة آية آثار محققة للعقيدة أو الاضطهادات، تصل إلى ما بعد عهد الأنطونينيين.
وكان التقدم البطىء للإنجيل في المناخ البارد في الغال يختلف تمام الاختلاف عن الحماس الذي يبدو أنه استقبل به في الرمال المحرقة في أفريقية، وسرعان ما أصبح المسيحيون الأفريقيون أحد الأعضاء الرئيسية في الكنيسة الأولى.
وساعد التقليد الذي أدخل في هذه الولاية - أفريقية - وهو تعيين الأساقفة في أصغر المدن وأحقر القرى في حالات كثيرا جدا - ساعد على ازدياد عظمة وبهاء مجتمعاتهم الدينية التي الهبتها طوال القرن الثالث، غيرة ترتوليان، ووجهتها مقدرة سبريان، وتألقت بفصاحة لكتانتيوس، ولكنا، على النقيض من ذلك، إذا ولينا وجوهنا شطر الغال، لوجب علينا أن نقنع، في عهد ماركوس أنطونيوس، بالعثور على المجامع الهزيلة، الموحدة في ليون وفيين جنوبي ليون في فرنسا، بل حتى عهد ديسيوس، لم يكن يوجد، على التحقيق، إلا في قليل من المدن فقط - آزل، ناربون، تولوز، ليموج، كليرمونت، تور، وباريس بعض الكنائس المبعثرة هنا وهناك، والتي قامت على إخلاص نفر قليل من المسيحيين. والحق أن الصمت يلتئم مع التعبد والنسك كل الالتئام، ولكنه قلما يلتئم مع الغيرة والحماس، ومن ثم يمكن أن ترى ونرثى لحالة جمود المسيحية
….
في هذه الولايات التي استبدلت اللغة اللاتينية بالكلتية حيث أنها لم تنجب طوال القرون الثلاثة الأولى كاتبا كهنوتيا واحدا.
ومن بلاد الغال التي زعمت لنفسها التفوق في العلم والسلطان على كل البلاد الواقعة في هذا الجانب من الألب انعكس نور الانجيل : على الولايتين الساسيين : اسبانيا وبريطانيا، في شعاع اشد خفوتا. واذا نحن صدقنا توكيدات ترتوليان العنيفة، فإنهم تلقوا بالفعل القبس الأول من العقيدة عندما وجه هو خطابه إلى حكام الإمبراطور سيفيروس. ولكن المنشأ الغامض المهوش لكنائس غرب أوربا دون في اهمال شديد، إلى حد أننا لو أردنا أن نروى زمن تأسيسها وظروفه، لوجب علينا أن نعوض عن صمت الأقدمين بتلك الأساطير التي أملاها الجشع أو الخرافة، بعد ذلك بزمن طويل، على الرهبان في أديرتهم المظلمة الخاملة. ولا يستحق الذكر من هذه الأقاصيص إلا قصة الرسول القديس جيمس لتطرفها فقد تحول من صياد سمك مسالم في بحيرة جنسارت إلى فارس مقدام أغار على رأس الخيالة الإسبان في معاركهم ضد العرب. وقد مجد أعماله أكثر المؤرخين وقارا. وأظهر ضريح كمبوزتلا العجيب قوته، وكان سيف الطائفة المحاربة تعاونه محاكم التفتيش كافيا للقضاء على أي اعتراض من نقد خبيث
ولم يكن تقدم المسيحية محصورا في دائرة الامبراطورية الرومانية. فإن الآباء الأولين الذين يفسرون الحقائق بالنبوءات ليقولون إن الدين الجديد طرق بالفعل أبواب المعمورة بأسرها في بحر قرن واحد من موت منشئة الإلهي السيد المسيح ويقول جوستين الشهيد : « لا يوجد شعب يوناني أو متبربر، أو أى جنس آخر من الناس، يتميز بأية لغة أو سلوك، جاهل بالفنون أو الزراعة، يعيش تحت الخيام، أو يجوب الآفاق في عربات مغطاة، لا تقام فيه الصلوات، باسم المسيح المصلوب الله خالق كل شيء» ولكن هذه المبالغة الفاخرة التي يصعب غاية الصعوبة، حتى في وقتنا الحاضر، التوفيق بينها وبين حقيقة أحوال الجنس البشري، يمكن أن نعتبرها مجرد ملحة طائشة من كاتب ورع غير موثوق لم يراع الدقة، تحددت مقاییس إيمانه بقدر أمانيه.
ولكن إيمان الآباء أو أمانيهم لا يمكن أن تغير حقيقة التاريخ. وستظل حقيقة لا يتطرق إليها الشك أن متبربرى سكيذيا وألمانيا الذين قوضوا أركان الملكية الرومانية كانوا مغمورين في ظلام الوثنية، وأنه لم يكن ثمة أي مسعى ناجح الى أية درجة من النجاح لتحويل ايبريا أو أرمينيا أو إثيوبيا الى الدين الجديد، إلى أن انتقل صولجان الملك إلى يدى
۲۸۱
…….
إمبراطور ارثوذكسى. وربما أفادت ظروف الحرب والتجارة، قبل ذلك الوقت، في نشر بعض التعريف بالإنجيل، بين القبائل في كاليدونيا(اسكتلنده) وبين القاطنين على حدود الراين والدانوب والفرات، ووراء هذا النهر الأخير، تفردت اذاسا باعتناقها المبكر المكين للعقيدة.
ومن أذاسا دخلت مبادىء المسيحية في سهولة ويسر إلى المدن اليونانية والسورية التي خضعت لخلفاء ارتجزرسيس ، ولكن يبدو أنهم لم يؤثرا تأثيرا عميقا في عقول الفرس، الذين كان نظامهم الديني قد أنشيء بجهود طائفة دقيقة التنظيم، بطريقة أكثر دهاء وصلابة من الأساطير اليونانية والرومانية الغامضة
أعداد المسيحيين الأولين وأحوالهم
